ساحةُ الرمل

ليسوا سوى أطفالٍ…
تعثَّرتْ قلعةُ الرمل …
في أصابعِهم ذاتَ صباح،
فأعادوا ترميمَ هزيمتِهم بالحجارة.
كانوا يخافون أن تفضحَهم الأرقام،
وأن تسبقَهم خطوةٌ واحدة…
فأعلنوا نفيَ المنطق،
وتوَّجوا الضجيجَ …
ملكًا على الحقيقة.
كلُّ عرشٍ…
ظلُّ لعبةٍ لم تكتمل.
وكلُّ حربٍ…
صدى لطفولةٍ …
لم تتعلَّم أن الخسارة ليست نهايةَ العالم.
وما زالوا…
كلَّما ضاقت أرواحُهم،
وسَّعوا خرائطَ المقابر.
ويظنُّون…
أنَّ الأرضَ كلَّها
ليست…
إلَّا
ساحةَ رمل.
لكنَّ الرمل…
لا يحفظُ أسماءَ الغالبين،
بل…
آثارَ العابرين.
عبد الرحيم جاموس
الرياض
30/6/2026 م
طاب مساءكم 🌺
يحمل نص «ساحةُ الرمل» للأديب عبد الرحيم جاموس رؤيةً فلسفيةً عميقةً تتجاوز حدود الحدث السياسي أو الاجتماعي، لتغوص في البنية النفسية للإنسان حين يعجز عن النضج، فيحوّل نزوات الطفولة إلى مشاريع سلطة، وألعاب الصغار إلى مآسٍ تتسع لتبتلع أوطانًا وشعوبًا..

قراءة أدبية بقلم: د. عادل جوده.
من العراق.
إنه نص مكثف، لكنه بالغ الاتساع في دلالاته، يضع القارئ أمام مرآة الحضارة وهي تتأمل هشاشتها خلف أقنعة القوة.
يفتتح الكاتب مشهده بصورة بالغة الذكاء: «تعثَّرت قلعة الرمل في أصابعهم»، وهي صورة لا تستدعي مجرد لعبة أطفال، بل ترمز إلى الأحلام الهشة التي انهارت عند أول اختبار. غير أن المأساة لا تكمن في سقوط القلعة، وإنما في طريقة التعامل مع السقوط؛ إذ يستبدلون إعادة البناء بالحكمة، بإعادة الترميم بالحجارة، وكأن العنف هو اللغة الوحيدة التي يعرفونها لترميم كسورهم الداخلية. وهنا يتحول الرمل، رمز البراءة والهشاشة، إلى مدخل لقراءة تاريخ طويل من الحروب التي ولدت من عقد النقص لا من ضرورات الحياة.
ويبلغ النص ذروة عمقه حين يقول: «أعلنوا نفي المنطق، وتوّجوا الضجيج ملكًا على الحقيقة.» ففي هذه العبارة يختصر الكاتب مأساة العصر؛ إذ تصبح الحقيقة ضحية للصخب، ويغدو الضجيج وسيلةً لطمس العقل، فتنتصر الأصوات المرتفعة على البراهين، وتُستبدل الحكمة بالشعارات، والمعرفة بالاستعراض. إنها إدانة راقية لعقلية ترى في القوة برهانًا، وفي الضوضاء انتصارًا.
ثم ينتقل النص إلى تفكيك مفهوم السلطة ذاته، حين يقرر أن كل عرش ظل لعبة لم تكتمل. فالمناصب، في منظور الكاتب، ليست دائمًا ثمرة نضج، بل قد تكون امتدادًا لطفولة لم تغادر أصحابها. لذلك تأتي الحروب بوصفها صدى لتلك الطفولة المؤجلة، لا باعتبارها صناعة أبطال، بل نتيجة أرواح لم تتعلم أن الهزيمة ليست نهاية الوجود، وأن الاعتراف بالخسارة أكثر شجاعةً من صناعة المقابر.
أما الخاتمة، فهي من أجمل ما في النص وأكثره رسوخًا؛ إذ يمنح الرمل وظيفةً رمزية مدهشة. فالرمل، الذي كان في البداية ساحةً للعب، يتحول في النهاية إلى شاهدٍ محايد على زوال الجميع. إنه لا يحتفظ بأسماء المنتصرين، لأن النصر عابر، ولا يخلّد صخب الأقوياء، بل يحتفظ فقط بآثار المارين فوقه، في إشارة بديعة إلى أن الزمن لا ينحاز إلا للأثر الإنساني، وأن المجد الحقيقي لا يُقاس بما يُشيَّد من عروش، بل بما يُترك من قيم.
إن «ساحة الرمل» نص أدبي بالغ النضج، يجمع بين الشعر والحكمة والفلسفة، ويبرهن على قدرة اللغة الرفيعة على فضح عبث الإنسان دون خطابية أو مباشرة. إنه نص يوقظ الوعي، ويذكّر بأن الأمم لا تهزمها الخسارة، بل يهزمها الإصرار على البقاء أسرى لطفولةٍ لم تتعلم يومًا كيف تكبر.
تحياتي واحترامي 🌹



