الحوار الوطني الشامل: بين وهم البقاء وضرورة الإنقاذ في غزة.. بقلم: د. سالم سعد

في ظل المشهد الإنساني والسياسي غير المسبوق الذي يعيشه قطاع غزة، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل تمثل الدعوات إلى الحوار الوطني الشامل محاولة لإدارة الأزمة وكسب الوقت من قبل حركة حماس، أم أنها فرصة حقيقية لبناء جبهة إنقاذ وطنية قادرة على وقف التدهور واستعادة الحد الأدنى من التماسك المجتمعي والمؤسسي؟
لا يمكن فصل هذا النقاش عن الواقع الذي تعيشه غزة، حيث خلفت الحرب دمارًا واسعًا طال الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات. كما أسهم النزوح المتكرر، وتراجع الخدمات الأساسية، والضغوط الاقتصادية والإنسانية في إضعاف النسيج الاجتماعي، بينما زاد الاعتماد على المساعدات الخارجية من تعقيد المشهد وربط كثير من الاستحقاقات بمتغيرات خارجية.
في المقابل، ينظر قطاع من الفلسطينيين إلى الدعوات المتكررة للحوار بعين الريبة، معتبرًا أن التجارب السابقة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، وأن الحوار قد يتحول إلى منصة لتكرار المواقف وإدارة الخلافات بدل معالجتها، بما يكرس حالة الجمود ويؤجل الحلول المطلوبة.
لكن هذا التشكيك لا يلغي حقيقة أن الحوار الوطني يبقى أحد الخيارات القليلة المتاحة إذا توافرت له الإرادة السياسية وآليات التنفيذ. فالإنقاذ يبدأ بمراجعة جادة للتجربة السابقة، والاعتراف بالأخطاء، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية. كما يتطلب توافقًا على إدارة وطنية قادرة على التعامل مع الأولويات العاجلة، وفي مقدمتها الإغاثة، وإعادة الإعمار، واستعادة انتظام عمل المؤسسات، إلى جانب بلورة موقف وطني موحد يعزز قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن مصالحهم في مختلف المحافل.
إن نجاح أي حوار لن يقاس بعدد جلساته أو البيانات الصادرة عنه، بل بقدرته على إنتاج قرارات قابلة للتنفيذ تعيد ثقة المواطن بمؤسساته، وتخفف من معاناته، وتؤسس لشراكة وطنية حقيقية.
اليوم، تقف غزة أمام مفترق طرق؛ فإما أن يبقى الحوار عنوانًا لإدارة أزمة مفتوحة، وإما أن يتحول إلى نقطة انطلاق نحو إنقاذ وطني يستند إلى المسؤولية، والشراكة، ووضع الإنسان الفلسطيني في صدارة الأولويات. وبين هذين الخيارين، لا يبدو أن الوقت يسمح بمزيد من المراوحة.



