قراءة نقديّة وبلاغيّة لقصيدة “وطن على قدمين” للدكتور عبد الرحيم جاموس

بقلم: الشاعرة والأديبة د. أحلام أبو السعود
حين يتماهى الحَبّ بالحَبيب، وتتحول المرأة في محراب الشعر من مجرد ملهمةٍ عابرة إلى جغرافيا ممتدة وتاريخ نابض، نكون أمام نصٍّ استثنائي لا يكتفي بصياغة المشاعر، بل يعيد رسم حدود الهوية. هكذا تجلت قصيدة الشاعر الدكتور عبد الرحيم جاموس؛ لوحةً صوفيةً وطنية، تذوب فيها تفاصيل الأنثى في تضاريس فلسطين، لتصبح المحبوبة هي “الوطن” والوطن هو “المحبوبة” في تلاحمٍ وجدانيّ بديع.
أولاً: العود الأبدي والدهشة الأولى (سيميائية الطفولة)
يستهل الشاعر نصّه بـ (الارتداد الزمني) المفاجئ: “بتُّ طفلًا أمامها… كأنَّ الزمنَ أعادني إلى أوَّل الدهشة”.
إنها ليست طفولة العجز، بل طفولة النقاء واليقين؛ العودة إلى البراءة الأولى التي تصدق الضوء وتصافح الفراشات. هنا تجريدٌ رائع لسطوة الجمال والوطن معاً؛ فالأوطان العظيمة، كالنساء الاستثنائيات، تُعرّي الإنسان من أقنعته الكاذبة، وتعيده إلى فطرته الأولى حيث لا خوف ولا زيف.
ملمح نقدي: يعترف الشاعر بعجز الأدوات اللغوية أمام هذا البهاء: “فلا أنا شاعرٌ يملكُ الكلام، ولا اللغةُ استطاعت…”؛ وهو ما يُعرف في البلاغة بـ “العجز المعبّر”، حيث يصبح الصمت والذهول أعلى مرتبةً من البيان، لأن الموصوف بحد ذاته يفوق طاقة الحرف.
ثانياً: جغرافيا الجسد وجغرافيا الوطن (التماهي والمجاز)
ينتقل الدكتور عبد الرحيم إلى ذروة التجلي البلاغي في النص، مستخدماً تقنية “التشخيص والأنسنة”، فلم تعد المحبوبة تشبه الأرض، بل الأرض هي التي استعارت ملامحها. هنا قلبٌ للموازين المجازية المعتادة، يعقبه توزيع جغرافي بارع على ملامح الحبيبة:
عيناها (بحر عكا): عمقٌ، وأصالة، ورموزية الصمود الساحلي في وجه الغزاة.
خصلات شعرها (سنابل مرج ابن عامر): الخصوبة، والنماء، وامتداد الخير والذهب الفلسطيني.
ابتسامتها (دفء القدس): البُعد الروحي والمقدس الذي يبعث الطمأنينة مع تباشير الفجر.
كبرياؤها (زيتون فلسطين): حيث الجذور الضاربة في عمق التاريخ، والتي كلما عصفت بها رياح المحتل والزمن، ازدادت رسوخاً وثباتاً.
هذه التوليفة البلاغية ليست مجرد تشبيهات، بل هي تأصيلٌ للهوية، وتأكيدٌ على أن فلسطين ليست حيزاً جغرافياً فحسب، بل هي كائن حي يعيش فينا، نراه في الوجوه ونستنشقه في الحضور.
ثالثاً: الأبعاد الوطنية وصورة “الخالِدة”
في المقطع الأقوى وطنياً، يرتفع النص من رقة الغزل إلى عنفوان المقاومة والصمود:
“رأيتُ وطنًا… يمشي على قدمين، ويبتسمُ للغزاةِ… بثقةِ الخالدين”.
هنا تتحول المرأة/الوطن إلى رمزٍ للتحدي. هذه الابتسامة في وجه الغزاة ليست ابتسامة ضعف، بل هي ابتسامة “سخرية وجودية” من طارئٍ عابر يواجه صاحب الأرض الأصيل والخالد. إنها الثقة المطلقة بالبقاء، والقدرة على منح “العاشقين” (المناضلين/المحبين) سبباً متجدداً للإيمان بالقضية وبالحياة.
رابعاً: البنية الإيقاعية والقفلة التقريرية
اتسمت القصيدة بـ موسيقى داخلية عذبة، اعتمدت على التكرار المتناغم (وفي عينيها… وفي خصلات… وفي ابتسامتها…)، مما أضفى مسحة ترتيلية قدسية على النص.
وتأتي القفلة الاستنتاجية لتلخص فلسفة الشاعر:
“أيقنتُ أنَّ بعضَ النساءِ… لا يُحببنَ فحسب، بل يُسكنَّ الأوطانَ في القلوب”.
هنا صكّ الشاعر حقيقة أدبية جديدة؛ فالمرأة الفلسطينية/العربية الحرة لا تمنح الرجل عاطفة عابرة، بل تعيد صياغة انتمائه، وتزرع في قلبه وطناً لا يُهزم، وتتركه طفلاً سعيداً هانئاً بجوار هذا اليقين.
خاتمة القراءة:
تحيةً لقلم الدكتور عبد الرحيم جاموس الذي أهدانا من الرياض (في هذا اليوم المبارك من تموز 2026) نصاً يقطر عشقاً وفلسطينيةً. لقد استطاع ببراعة واقتدار أن يثبت أن الحب والوطن توأمان سياميان في قلوب الشرفاء، وأنه لا يمكن للفصل بينهما إلا أن يبتر جزءاً من الروح. دمتَ مبدعاً، ودام نبضك يعزف لفلسطين وأهلها.



