بين حرب لبنان وحرب غزة… أيهما دفع الثمن الأكبر؟.. أبو شريف رباح

عندما تقدر كلفة الحرب على لبنان بما يقارب من ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار فإن هذا الرقم على ضخامته لا يعكس سوى جانب من حجم المأساة التي عاشها الشعب اللبناني الشقيق، لكن السؤال إذا كانت هذه كلفة حرب امتدت لفترة محدودة فكيف يمكن تقدير كلفة حرب مستمرة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام على قطاع غزة بكل ما حملته من قتل وإبادة ودمار وتجويع وتشريد؟

وهنا الفت القراء الاعزاء الى إن المقارنة بين الحربين لا تهدف إلى المفاضلة بين آلام الشعبين الشقيقين فدماء اللبنانيين والفلسطينيين واحدة والعدوان الإسرائيلي استهدف الإنسان والأرض في البلدين لكن حجم الكارثة في غزة تجاوز كل المقاييس المعروفة في الحروب.

لبنان دفع الآلاف من الشهداء والجرحى وتعرضت جنوبه وضاحيته الجنوبية وبقاعه لدمار واسع وأصابت الحرب اقتصاده بخسائر كبيرة تقدر بمليارات الدولارات، أما قطاع غزة فقد تحول بأكمله إلى منطقة منكوبة حيث لم يعد الدمار يقتصر على الأبنية والبنية التحتية بل طال كل مقومات الحياة الإنسانية.

في قطاع غزة لا يمكن الحديث عن مليارات الدولارات فقط بل عن قطاع كامل يحتاج إلى إعادة بناء وعن اقتصاد دمر بالكامل وعن مدارس وجامعات ومستشفيات ومساجد وكنائس ومصانع وشبكات مياه وكهرباء أُزيلت من الوجود أو تعرضت لتدمير هائل، والأخطر من ذلك أن الإنسان الفلسطيني نفسه أصبح هدفا مباشرا للحرب في ظل الأعداد الهائلة من الشهداء والجرحى والمفقودين والأسرى إضافة إلى ملايين النازحين الذين يعيشون في ظروف إنسانية بالغة القسوة.

الحرب على لبنان كانت موجعة ومؤلمة لكنها بقيت محصورة في مناطق معينة، بينما الحرب على غزة استهدفت كل شبر من القطاع فلم تعد هناك منطقة آمنة ولا مؤسسة محمية ولا عائلة لم تفقد شهيدا أو جريحا أو منزلا، إنها حرب شاملة لم تترك حجرا على حجر ولم تبقي مجالا للحياة الطبيعية.

وإذا كانت الخسائر الاقتصادية في لبنان تقاس بمليارات الدولارات فإن الخسائر في غزة لا تقاس بالأموال وحدها بل بضياع أجيال كاملة من الأطفال والشباب وبالآثار النفسية والاجتماعية والصحية التي ستستمر لعقود طويلة فإعادة بناء الحجر قد تستغرق سنوات أما إعادة بناء الإنسان فربما تحتاج إلى جيل كامل.

إن ما يجري في غزة لم يعد مجرد حرب عسكرية بل أصبح حربا تستهدف الوجود الفلسطيني نفسه من خلال التدمير الممنهج للبنية التحتية واستنزاف المجتمع وفرض الحصار والتجويع والحرمان من أبسط مقومات الحياة في مشهد غير مسبوق في العصر الحديث، لقد أثبتت الحربان أن إسرائيل تعتمد سياسة القوة المفرطة والتدمير الواسع لكن ما شهدته غزة تجاوز كل ما عرفته المنطقة من حروب سواء من حيث مدة العدوان أو حجم الدمار أو الكلفة الإنسانية والاقتصادية وحتى التقديرات المتعلقة بكلفة العمليات العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرب تعكس ضخامة هذا الصراع واستمراره.

ويبقى السؤال الذي يواجه العالم بأسره إذا كان المجتمع الدولي سيتحرك لإعادة إعمار لبنان بعد الحرب فمن سيتحمل مسؤولية إعادة إعمار غزة ومن سيحاسب من دمرها وقتل أبناءها؟ إن استمرار الصمت الدولي لا يعني سوى منح الاحتلال مزيدا من الوقت لمواصلة سياسة الأرض المحروقة بينما يدفع المدنيون الأبرياء الثمن الأكبر، إن إنقاذ غزة لم يعد قضية فلسطينية فحسب بل أصبح اختبارا حقيقيا لضمير الإنسانية ولمدى قدرة العالم على حماية القانون الدولي ومنع تكرار المآسي التي تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com