المحكمة الجنائية الدولية في مرمى الضغوط الأميركية… حين تُحاصر العدالة لأن الحقيقة تُوجع

✍️ بقلم: د. أحلام أبو السعود
سفيرة الإعلام العربي والباحثة في الشؤون الفلسطينية
♕♕♕♕♕♕♕_♕
ليست المحكمة الجنائية الدولية مجرد مبنى يحتضن قضاةً ووثائق قانونية، بل هي في وجدان الشعوب المقهورة نافذة أملٍ تُطل منها العدالة على عالمٍ أثقلته الحروب، وتلطخت فيه خرائط الإنسانية بدماء الأبرياء.
وحين تُعلن الإدارة الأميركية أنها تدرس خيارات لاستهداف المحكمة الجنائية الدولية، وفرض مزيد من العقوبات عليها، والضغط على الدول للانسحاب منها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا فعلت المحكمة؟ بل: أي حقيقة باتت تقلق القوى الكبرى إلى هذا الحد؟
لقد تأسست العدالة الدولية حتى لا يبقى القوي فوق القانون، وحتى لا تتحول القوة العسكرية إلى صك براءة يمنح أصحابه حصانة أبدية. فالقانون الدولي لم يُكتب ليُطبق على الضعفاء وحدهم، وإنما ليكون ميزاناً واحداً للإنسانية جمعاء، لا يميل مع المصالح ولا ينحني أمام النفوذ.
إن العالم اليوم يقف أمام اختبار أخلاقي وقانوني بالغ الخطورة. فإما أن تبقى المؤسسات الدولية مستقلة، تؤدي رسالتها بعيداً عن الضغوط السياسية والاقتصادية، وإما أن تتحول العدالة إلى رهينة لإرادة الأقوياء، فيفقد القانون هيبته، وتفقد الشعوب ثقتها بمنظومة العدالة الدولية.
وفي فلسطين، حيث تمتزج الأرض بالدم، والسماء برائحة الصبر، تتابع الأعين كل ما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية باعتبارها إحدى الساحات القانونية التي يحمل إليها الضحايا روايتهم، بعدما أغلقت في وجوههم أبواب كثيرة. ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف المحكمة أو تقويض استقلالها لا تُقرأ بمعزل عن معركة أوسع تدور حول مستقبل العدالة الدولية ومكانة القانون في عالم تتنازعه المصالح.
إن العدالة لا ينبغي أن تُعاقَب لأنها فتحت ملفاً، ولا أن تُحاصَر لأنها استمعت إلى الضحايا. فالعدالة الحقيقية لا تعرف جنسية المتهم، ولا لون الضحية، ولا وزن الدولة في ميزان السياسة.
سيبقى القانون الدولي، رغم كل الضغوط، لغة الشعوب التي تؤمن بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت ما دام هناك من يكتب، ومن يوثق، ومن يشهد، ومن يتمسك بالحقيقة.
فالتاريخ لا يحفظ أسماء الأقوياء وحدهم، بل يحفظ أيضاً أسماء الذين دافعوا عن العدالة عندما حاولت السياسة أن تُكمم صوتها.
د. أحلام أبو السعود
سفيرة الإعلام العربي 🇵🇸



