التعليم والوعي الوطني في مواجهة التجهيل ومحو ذاكرة اللجوء في قطاع غزة

أ. نبيلة اسبيتان
كاتبة وباحثة فلسطينية
لم تعد الحرب على قطاع غزة تُقاس بحجم الدمار المادي أو عدد الضحايا فحسب، بل بما خلّفته من آثار عميقة على البنية المعرفية للمجتمع الفلسطيني. فاستهداف المدارس والجامعات، وتعطيل العملية التعليمية، وحرمان مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم، يمثّل تحولًا خطيرًا يتجاوز البعد الإنساني إلى محاولة المساس بالوعي الوطني والذاكرة الجمعية، فيما بات يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ”الإبادة المعرفية”.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ نكبة عام 1948، أن التعليم لم يكن مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل كان أحد أهم أدوات الصمود الوطني. فقد أدّت المدرسة الفلسطينية دورًا محوريًا في حفظ الرواية الوطنية، وترسيخ الانتماء، ونقل ذاكرة اللجوء من جيل إلى آخر، حتى أصبحت المؤسسة التعليمية جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الهوية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، برزت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) باعتبارها المؤسسة التعليمية الأكبر للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة. فقد كانت تدير، قبل الحرب، 181 مبنىً مدرسيًا تضم 282 مدرسة، وتوفر التعليم الحضوري لنحو 290 ألف طالب وطالبة، في واحدة من أكبر الشبكات التعليمية التي تديرها الأمم المتحدة على مستوى العالم.
غير أن الحرب أحدثت تحولًا جذريًا في هذا الواقع؛ إذ تقلّصت قدرة الأونروا على تقديم التعليم الحضوري إلى نحو 60 ألف طالب فقط داخل 77 مساحة تعليمية مؤقتة، بينما اضطر غالبية الطلبة إلى الاعتماد على التعليم الإلكتروني، أو انقطعوا عن التعليم بصورة متكررة، في ظل بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار والإمكانات الأساسية. كما تعرّض الكادر التعليمي لخسائر كبيرة نتيجة استشهاد مئات الموظفين، وانخفاض أعداد العاملين، وتراجع الموارد المالية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية.
وفي مواجهة هذا الواقع، ظهرت بدائل تعليمية متعددة، شملت المساحات التعليمية المؤقتة، والتعليم الإلكتروني، والمبادرات المجتمعية، والتعليم الذاتي. ورغم أهمية هذه البدائل في الحد من الانقطاع الكامل عن التعليم، فإنها بقيت حلولًا اضطرارية لا تستطيع تعويض المدرسة النظامية، سواء من حيث جودة التعليم أو من حيث دورها في بناء الشخصية الوطنية وحماية الهوية الثقافية.
وتكمن خطورة هذه المرحلة في اتساع الفاقد التعليمي والمعرفي، الذي تشير التقديرات إلى أنه يعادل خمس سنوات دراسية لدى أعداد كبيرة من الأطفال، وهو ما يهدد بإحداث فجوة معرفية بين الأجيال، ويؤثر في مستقبل التنمية البشرية، ويضعف قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة والحفاظ على روايته الوطنية.
إن المدرسة الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد مبنى أو مناهج دراسية، بل كانت فضاءً تربويًا وثقافيًا حافظ على الذاكرة الوطنية، ورسّخ حق العودة، وعزّز الانتماء للأرض والتاريخ. ومن هنا، فإن حماية التعليم لا تمثّل أولوية تربوية فحسب، وإنما مسؤولية وطنية وإنسانية تتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية لإعادة بناء المنظومة التعليمية، وتمكين الأونروا من استعادة دورها، وتعويض الفاقد التعليمي، وضمان حق الأطفال الفلسطينيين في تعليم آمن وجيد.
إن مستقبل غزة لن يُقاس بعدد المدارس التي يُعاد بناؤها فقط، بل بقدرتها على إعادة بناء الإنسان الفلسطيني، وصون وعيه الوطني، وحماية ذاكرته الجماعية، وتمكينه من مواصلة مسيرة العلم والمعرفة، باعتبارهما الركيزة الأساسية لصمود المجتمع الفلسطيني ومستقبله.



