فشل روح الانتماء يؤدي إلى انهيار المؤسسة الفلسطينية.. بقلم: د. عرفان اشتيوي

في ظل ما تتعرض له المؤسسات الفلسطينية من تحديات جسيمة بفعل الاحتلال والحروب والأزمات الاقتصادية، يتركز الحديث غالبًا حول نقص الموارد والإمكانات وضعف التمويل. غير أن هناك خطرًا آخر لا يقل أهمية عن كل تلك التحديات، بل قد يكون أكثر فتكًا وتأثيرًا، وهو تراجع روح الانتماء داخل المؤسسة.
فالانتماء ليس مجرد شعور عاطفي أو شعار يُرفع في المناسبات، بل هو منظومة من القيم والسلوكيات التي تجعل الموظف شريكًا حقيقيًا في النجاح، حريصًا على حماية المؤسسة وتطويرها والدفاع عن مصالحها. وعندما تتراجع هذه الروح، تبدأ مظاهر الخلل بالظهور تدريجيًا، فتنتشر اللامبالاة ويضعف الالتزام وتتراجع الإنتاجية وتغيب المبادرة والإبداع.
إن المؤسسة التي يفقد موظفوها روح الانتماء تتحول إلى بيئة طاردة للنجاح. فالإهمال يحل محل الحرص، والتسيب يحل محل الانضباط، والمصلحة الشخصية تتقدم على المصلحة العامة. وعندها تتعطل الأعمال وتتراكم الأخطاء وتتراجع جودة الخدمات، ويصبح الفشل نتيجة طبيعية لغياب الشعور بالمسؤولية.
ومن أخطر نتائج ضعف الانتماء المؤسسي سوء التعامل مع المال العام وممتلكات المؤسسة. فعندما لا يشعر الموظف بأن هذه الموارد أمانة ومسؤولية مشتركة، تتزايد مظاهر الهدر والإهمال وسوء الاستخدام، وتتعرض مقدرات المؤسسة للاستنزاف، فتتآكل قدرتها على الاستمرار والإنجاز.
ولا يمكن تحميل الموظف وحده مسؤولية هذا الواقع، إذ إن الإدارة تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عندما تغيب العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، أو عندما لا تجد الكفاءات التقدير الذي تستحقه. فالانتماء لا يُفرض بالأوامر، بل يُبنى بالاحترام والثقة والشعور بالشراكة الحقيقية.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب قضية الانتماء أهمية مضاعفة، لأن المؤسسات الوطنية ليست مجرد أماكن عمل، بل هي أدوات لصون المجتمع وتعزيز صموده في مواجهة التحديات. ولذلك فإن الحفاظ عليها يبدأ بالحفاظ على الإنسان العامل فيها، وترسيخ قيم المسؤولية والالتزام والولاء للمصلحة العامة.
وخلاصة القول، فإن الانتماء هو الآلة الموسيقية التي تعزف لحن نجاح المؤسسة؛ فإذا اختلت أوتارها ساد الإهمال والتسيب واللامبالاة، وتراجعت قدرة المؤسسة على الإنجاز. أما إذا عزفت بتناغم المسؤولية والالتزام والعدالة، فإنها تصنع سيمفونية النجاح والاستمرار، وتحوّل المؤسسة إلى نموذج للعطاء والإبداع والبناء.



