ارسم صورة.. نص: بقلم د. عبدالرحيم جاموس

ارسم صورة…
ارسم طفلًا
بوجهٍ من صبح،
وعينين
لم تتعلّما الخوف…
ارسم في يديه
قلمًا صغيرًا،
ودعه يرسم
سماءً لا تُغلقها الغيوم،
وطائرًا
لا يعرف القفص.
ارسم رجلًا…
يمشي إلى غده
ولا يلتفت كثيرًا إلى الوراء،
على كتفيه تعبُ السنين،
وفي قلبه
نافذةٌ مفتوحة
على وطن.
ارسم امرأة…
من ياسمينٍ ونور،
تفتح للصبح نافذةً،
وتترك على مهد طفلها
قبلةً
ورائحة خبز.
ارسم بيتًا…
له بابٌ
لا يُغلق في وجه العائدين،
وعتبةٌ
تعرف أسماء أهلها،
وشجرةَ زيتونٍ
تغرس جذورها عميقًا،
كأنها تقول للأرض:
أنا هنا…
فلا ريح
تقتلعني.
ارسم طريقًا…
يمضي إلى آخره
دون حاجز،
ودون يدٍ
تفتّش في جيوب العابرين
عن أحلامهم.
ارسم وطنًا…
لا كما ترسمه الخرائط،
ولا كما يراه الغريب
من نافذة الطائرة؛
ارسمه
كما تراه أمٌّ
تنتظر ابنها،
وكما يحفظه شيخٌ
في مفتاحٍ قديم،
وكما يسكن
في قلب طفل
لم يولد بعد.
ثم…
ارسم الواقع.
ارسم طفلًا
كبر قبل أوانه،
يبحث بين الركام
عن لعبته…
ارسم أمًّا
تخبئ دمعتها
كي لا يخاف صغيرها.
ارسم رجلًا
يحمل ما تبقى من بيته
ويمضي…
ارسم الرماد،
لكن لا تمنحه
آخر اللوحة.
ضع بين حجرين
زهرة.
وفي يد الطفل
قلمًا.
وفي يد الرجل
مفتاحًا.
وعلى نافذة المرأة
ضوءًا.
ثم ارسم شجرةً
تخرج من قلب الركام…
دع جذورها
تشق الصخر،
ودع أغصانها
تعلو…
فليس للرماد
أن يكون قدرًا.
ارسم الحلم
ولا تهرب من الواقع…
ارسم الواقع
ولا تدفن الحلم.
ارسم المسافة
بين ما نحن عليه
وما نريد أن نكون…
ثم ابدأ
بمحو ما لا يشبه الإنسان:
محو الخوف،
محو القيد،
محو الجدار
الذي يقسم القلب
عن القلب…
وأعد الرسم.
ارسم طفلًا
يولد للغد
لا للحرب.
ارسم امرأةً
تغني
ولا تخبئ دمعتها.
ارسم رجلًا
يعود إلى بيته
وفي يده
خبزٌ وزهرة…
ارسم وطنًا
لا يحتاج أهله
إلى مفتاحٍ
كي يعودوا إليه.
ارسم حريةً
لا تُشبه الفوضى،
وسلامًا
لا يُشبه الاستسلام،
وعدالةً
لا تترك وراءها
مظلومًا ينتظر.
ثم…
ضع القلم جانبًا.
تأمل اللوحة…
إن وجدتَ فيها
شيئًا ناقصًا،
فلا تبحث عنه
في الألوان.
ابحث عنه
في الإنسان.
وإن وجدتَ فيها
نافذةً صغيرة
يدخل منها الضوء…
فلا تغلقها.
اتركها مفتوحة.
فربما
كان الحلم الذي رسمناه
ليس حلمًا…
بل صورةُ الغد
وهو في الطريق إلينا.
ارسم صورة…
فكلُّ واقعٍ جميل
كان يومًا
حلمًا
تجرأ أحدهم
أن يرسمه.
د. عبدالرحيم جاموس
9/8/2027 م
طاب صباحكم 🌺
قراءة أدبية في نص «ارسم صورة» للدكتور عبدالرحيم جاموس

بقلم: د.عادل جوده. من العراق.
في نصه «ارسم صورة»، يضع الدكتور عبدالرحيم جاموس القارئ أمام لوحة لا ترسمها الألوان وحدها، بل ترسمها الذاكرة والوجع والحلم والإنسان. ومنذ الجملة الأولى: «ارسم صورة…» يتحول فعل الرسم من ممارسة فنية إلى فعل وجودي، يصبح فيه القلم وسيلة لمقاومة القبح، واستعادة المعنى، وإعادة بناء عالم تهدمه الحرب والخوف والاقتلاع.
يبدأ الكاتب بالطفل، وهذه البداية ليست عابرة؛ فالطفل هو صورة المستقبل قبل أن تلوثه الحروب. يرسمه «بوجه من صبح» وعينين لم تتعلما الخوف، فيمنحه صفاء البدايات وبراءة الحياة. ثم يضع في يديه قلما صغيرا، ليكون القلم في مواجهة القفص والركام. إن الطفل هنا لا يرسم مجرد سماء وطائر، بل يرسم حقه الطبيعي في الحرية، وفي فضاء لا تغلقه الغيوم ولا تحده الجدران.
ويأتي الرجل محملا بتعب السنين، لكنه لا يفقد نافذته المفتوحة على وطن. وهذه النافذة واحدة من العلامات الرمزية البارزة في النص؛ فهي ليست نافذة مكانية فحسب، وإنما منفذ روحي إلى الذاكرة والانتماء.
فالوطن، في رؤية الكاتب، لا يسكن الجغرافيا وحدها، بل يسكن القلب، ويظل حاضرا حتى حين تثقل الأعوام كاهل الإنسان.
أما المرأة، فيرسمها الكاتب من «ياسمين ونور»، فيمنحها صورة الحياة والحنان والدفء.
إنها تفتح نافذة للصباح، وتترك على مهد طفلها قبلة ورائحة خبز. وهنا يتحول الخبز إلى رمز للحياة اليومية الآمنة، وتصبح القبلة اختصارا لعاطفة الأمومة، بينما تمثل النافذة إمكانية استمرار الضوء رغم كل ما يحيط بها من عتمة.
ثم يتسع المشهد ليحتضن البيت، بابه، عتبته، شجرة الزيتون، وطريق العودة. البيت ليس بناء من حجر، بل ذاكرة تحفظ أسماء أهله، والباب ليس خشبا، بل وعد بالاحتضان، وشجرة الزيتون ليست مجرد شجرة، بل رمز للتجذر والثبات. أما المفتاح القديم الذي يحفظه الشيخ، فيختزل ذاكرة المكان وحق العودة، ويؤكد أن ما يسكن الذاكرة لا تستطيع الخرائط أن تمحوه.
وتبلغ صورة الوطن ذروة جمالها حين لا يرسمه الكاتب كما ترسمه الخرائط، ولا كما يراه الغريب من نافذة الطائرة، بل كما تراه أم تنتظر ابنها، وكما يحفظه شيخ في مفتاح قديم، وكما يسكن في قلب طفل لم يولد بعد. هنا يتحرر الوطن من حدوده الجغرافية ليصبح ذاكرة وحنينا ومستقبلا، ويغدو الانتماء علاقة وجدانية لا تستطيع المسافات اقتلاعها.
لكن النص لا يستسلم للحلم، ولا يهرب من الواقع. فجأة تتبدل ألوان اللوحة: طفل كبر قبل أوانه، وأم تخبئ دمعتها، ورجل يحمل ما تبقى من بيته، ثم يظهر الرماد والركام. وهذه النقلة تمنح النص صدقه الإنساني.. فالكاتب لا يزيف الألم، بل يضعه في قلب اللوحة، ثم يرفض أن يمنحه المشهد الأخير.
ومن هنا تأتي واحدة من أهم رسائل النص: «ارسم الحلم ولا تهرب من الواقع… ارسم الواقع ولا تدفن الحلم». إنها فلسفة النص كلها؛ فالحلم بلا مواجهة للواقع قد يصبح وهما، والواقع بلا حلم قد يتحول إلى استسلام. لذلك يختار الكاتب الطريق الثالث: رؤية الجرح بوضوح، مع الإيمان بإمكانية الشفاء.
وتأتي الزهرة بين حجرين بوصفها صورة مكثفة للحياة، والقلم في يد الطفل رمزا للمستقبل، والمفتاح في يد الرجل رمزا للعودة، والضوء على نافذة المرأة رمزا للأمل. ثم تخرج الشجرة من قلب الركام، لتعلن أن الحياة تستطيع أن تجد طريقها حتى من بين الصخور. ولهذا يقول الكاتب: «فليس للرماد أن يكون قدرا».
وفي مرحلة لاحقة، يتحول الرسم إلى عملية محو: محو الخوف والقيد والجدار الذي يقسم القلب عن القلب. وهنا يصبح التحرير فعلا داخليا قبل أن يكون فعلا مكانيا؛ فالإنسان لا يستطيع بناء عالم حر إذا ظل أسيرا للخوف والكراهية والانقسام.
وتبلغ الخاتمة ذروتها حين يقول الكاتب: «فلا تبحث عنه في الألوان. ابحث عنه في الإنسان». إنها خلاصة أخلاقية عميقة: جمال العالم لا يبدأ من اللوحة، بل من الإنسان الذي يرسمها.
وإذا كان ثمة شيء ناقص في الصورة، فليس اللون هو المشكلة، وإنما غياب العدالة والرحمة والحرية.
إن «ارسم صورة» نص يزاوج بين الوجع والأمل، وبين الواقع والحلم، وبين الركام وإمكان النهوض. قوته أنه لا ينكر المأساة، لكنه يرفض أن يجعلها قدرا نهائيا. وفي نهاية المطاف، يتحول القلم إلى عهد، والزهرة إلى وعد، والمفتاح إلى ذاكرة، والشجرة إلى إعلان للحياة.
إنها دعوة صريحة إلى أن نعيد رسم الإنسان أولا، لأن كل وطن جميل يبدأ في قلب إنسان يؤمن بأن الغد يستحق أن يولد. ولذلك تبدو خاتمة النص أشبه بنافذة مفتوحة على المستقبل: ربما لا يكون الحلم حلما، بل صورة الغد وهو في الطريق إلينا.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



