حين لا يكون الحب خيانة للراحلين

بقلم الشاعرة/ نداء معين عاشور

في هَوَاءِ الحَرْبِ، الرَّاحِلَاتُ لَا يَقْلَعْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً،
يَتْرُكْنَ ضَوْءَهُنَّ مُعَلَّقاً عَلَى المَسَامِيرِ،
وَيَتْرُكْنَ أَيْدِيَنَا بَارِدَةً كَمَقْبَضِ بَابٍ لَمْ يَعُدْ يَفْتَحُهُ أَحَدٌ.
​مُنْذُ عَامَيْنِ،
وَأَنْتَ تُقَاسِمُ السَّقْفَ صَمْتَهُ،
تَخَافُ أَنْ تُكْمِلَ القَهْوَةَ وَحْدَكَ،
وَتَخَافُ أَنْ تَسْكُبَ الفِنْجَانَ لِغَيْرِهَا.
حَاضِرٌ أَنْتَ فِي الحِدَادِ كَأَنَّكَ القَاعِدَةُ،
وَمَغُصُوبٌ عَلَى البَقَاءِ كَأَنَّكَ النَّجَاةُ.
​كَيْفَ تُقْنِعُ قَلْبَكَ أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ خِيَانَةً لِلرُّكَامِ؟
تَقُولُ: “الكَلِمَاتُ فِي المِلَاطِ حَجَرٌ”،
وَتَقُولُ: “كَيْفَ أَبْنِي بَيْتِي عَلَى رَمَادٍ لَمْ يَبْرُدْ؟”
لَكِنَّ البَحْرَ يَا صَدِيقِي—حَتَّى تَحْتَ القَصْفِ—لا يَكُفُّ عَنِ المَوْجِ،
وَالنَّخْلَةُ لَا تَسْأَلُ الرِّيحَ عَنْ نَسَبِ القَذِيفَةِ كَيْ تَنْمُوَ.
​الخَوْفُ لَيْسَ أَنْ نُحِبَّ مَرَّةً أُخْرَى،
الخَوْفُ أَنْ نَنْسَى أَنَّنَا الأَحْيَاءُ الوَاحِيدُونَ المَسْؤُولُونَ
عَنِ الأَمَلِ.
الحُبُّ فِي زَمَنِ الإِبَادَةِ لَيْسَ نِكَايةً بِالمَوْتِ،
بَلْ هُوَ شَهَادَةُ المِيلَادِ الوَحِيدَةُ الَّتِي لا تَسْقُطُ بِالضَّرَبَاتِ.
​لَا بَأْسَ أَنْ تُحِبَّ،
لَا لِتَنْسَى أَنَّهَا غَابَتْ،
بَلْ لِتُخْبِرَ القَادِمَةَ أَنَّ المَوْتَ مَرَّ مِنْ هُنَا،
وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْرِقَ الرَّغْبَةَ فِي خُبْزِ النَّهَارِ.
​تَزَوَّجْ يَا صَدِيقِي،
أَوْ لا تَتَزَوَّجْ،
لَكِنْ لَا تَتْرُكِ الخَوْفَ يَكْتُبُ الشَّطْرَ الأَخِيرَ مِنْ غِيَابِكَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com