قسوة الآباء وعقوق الأبناء

ما أبشع الظلم حين يأتي من الآباء،
وما أبشعه حين يأتي من عقوق الأبناء.

سيحاسب الله كل الآباء والأمهات قساة القلوب، الحاضرين منهم والغائبين، أولئك الذين لم يدركوا أن الأبناء مسؤولية، وأنهم أرواح قبل أن يكونوا أجسادًا، وأن التربية ليست طعامًا وشرابًا ومدرسة وملبسًا فحسب، بل هي أمان، واحتواء، وحب، وحماية، وتربية نفسية، وكلمة طيبة، وحضن يشعر الطفل بأنه محبوب ومصان.
سيحاسبهم الله على جوارح الكلام التي آذت أبناءهم، وعلى الكلمات التي هدمت ثقتهم بأنفسهم، وعلى القسوة التي تركت في أرواحهم ندوبًا لا تُرى. سيحاسبهم على كل لحظة احتاج فيها أطفالهم إلى حضن فلم يجدوه، وإلى كلمة حانية فلم يسمعوها، وإلى أب أو أم يحتوي خوفهم وضعفهم فلم يجدوا إلا الجفاء والقسوة والإهمال.

فالأبوة والأمومة ليست مجرد إنجاب.
بل أمانة ومسؤولية ، ومن أعظم المسؤوليات أن تمنح طفلًا قلبًا آمنًا لا قلبًا يخاف ممن يفترض أن يكون ملجأه.

وفي المقابل، سيحاسب الله الأبناء على عقوقهم لآبائهم وأمهاتهم. سيحاسب كل من وقف في وجه والديه، وشتمهما، وأهان كرامتهما، وقلل من قيمة وجودهما، وأهملهما، ولم يحفظ لهما عهدهما، ولم يقدّر تعبهما وسهرهما وجهدهما، ولم يرحم ضعفهـما وقلة حيلتهما، وكان ناكرًا للجميل.

فكما يحتاج الأبناء إلى الرحمة، والسعادة، والاهتمام، والحب، والكلمة الطيبة، يحتاج الآباء أيضًا إلى الشعور بالامتنان، وإلى البر، والرحمة، والكلمة الحسنة.

فالنظرة القاسية، والكلمة الجارحة، والصوت المرتفع، ليست أمورًا عابرة كما يظن البعض؛ إنها رماح قد تخترق صدور الآباء، وتستقر في قلوبهم، خصوصًا حين تأتي ممن أفنوا أعمارهم في سبيل أبنائهم.

ليس من العدل أن نطالب الآباء بالرحمة وننسى بر الأبناء، ولا أن نبرر عقوق الأبناء بسبب أخطاء الآباء.
فالظلم ظلم، والعقوق عقوق، والحساب عند الله لا يستثني أحدًا.

ما أثقل الظلم حين يأتي من يدٍ كان واجبها أن تمنح الأمان، فإذا بها تزرع الألم والخذلان.

وما أقسى العقوق حين يأتي ممن كان ينبغي أن يكون سندًا، فإذا به يصبح جرحًا آخر في قلبٍ أنهكه العمر.

اللهم اجعل بين الآباء والأبناء رحمةً لا تنقطع، وقلوبًا تعرف قيمة بعضها قبل فوات الأوان، وكلماتٍ طيبة تُقال في وقتها، وأحضانًا لا يُؤجل دفؤها، وبرًا يسبق الندم، وحبًا لا تفسده القسوة ولا يقتله الجفاء.

عبير المدهون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com