ازدواجية الراتب وفقدان المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة لسيادتها.. نضال احمد جابر جودة

أمام الموظف خيار واضح لا ينبغي أن تلتبس معه المرجعيات: إما أن يبقى في مؤسسته الحكومية بكامل التزامه ومسؤوليته، أو أن ينفك عنها إداريًا وينتقل للعمل لدى مؤسسة أخرى وفق إجراءات تحفظ حقوقه وحقوق المؤسسة. أما الجمع بين المرجعيات، فلا يصنع حرية للموظف بقدر ما يصنع ازدواجًا في المسؤولية ويضعف المؤسسة التي ينتمي إليها.
في الأزمات الكبرى، يصبح تدخل المنظمات الدولية والإنسانية ضرورة لسد الفجوات وإنقاذ الأرواح. لكن التدخل الطارئ، مهما كانت ضرورته، يفقد جزءًا من قيمته المؤسسية عندما يتحول من دعم المؤسسة الحكومية إلى العمل خارجها أو بدلًا منها.
ومن هنا تبرز ظاهرة تستحق قراءة إدارية متأنية: ازدواجية الراتب.
في قطاع غزة، أصبح بعض العاملين في المؤسسة الصحية الحكومية يتقاضون راتبًا من الجهة الحكومية التي يتبعون لها، وفي الوقت نفسه يحصلون على مقابل مالي من مؤسسات صحية دولية أو إحلالية تعمل في مناطق قطاع غزة. وقد نجد الموظف ذاته مرتبطًا إداريًا بالمؤسسة الحكومية، لكنه يعمل فعليًا لدى مؤسسة أخرى ويحصل منها على دخل إضافي.
قد يبدو الأمر في ظاهره منفعة للموظف، أو ترتيبًا مؤقتًا فرضته ظروف الحرب، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الراتب الإضافي بحد ذاته؛ وإنما في الأثر الذي تتركه ازدواجية التمويل على الانتماء والمرجعية والقدرة المؤسسية.
فالموظف ليس مجرد فرد يؤدي ساعات عمل، بل هو جزء من رأس المال المؤسسي. خبرته، ومعرفته، وعلاقاته المهنية، وقدرته على اتخاذ القرار، وفهمه لإجراءات العمل، كلها تراكمات بنتها المؤسسة عبر سنوات.
وعندما تستقطب المؤسسات الموازية هذا الموظف، فإنها لا تستقطب شخصًا فقط، وإنما تستقطب جزءًا من رأس المال البشري والمعرفي للمؤسسة الحكومية.
وهنا تبدأ المسألة في التحول من ازدواجية راتب إلى ازدواجية مرجعية.
لمن تكون الأولوية عندما تتعارض احتياجات المؤسسة الحكومية مع احتياجات المؤسسة التي تمنح الموظف دخله الإضافي؟ ومن يملك حق تحديد وقت الموظف؟ ومن يملك حق تكليفه؟ ومن يحاسبه؟ ولمن يكون انتماؤه المهني عندما تتعدد الجهات التي تموله وتوجه عمله؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلات إدارية؛ لأنها تمس جوهر المؤسسة نفسها.
فالمؤسسة التي لا تملك مواردها البشرية بصورة واضحة، تفقد تدريجيًا قدرتها على التخطيط والتشغيل واتخاذ القرار. وقد يبقى الموظف على ملاك المؤسسة الحكومية، لكن قدرته الفعلية تصبح مرتبطة بمؤسسة أخرى، فتظهر فجوة بين الوجود الرسمي للموظف والقدرة الفعلية للمؤسسة على الاستفادة منه.
وهذا ما يمكن تسميته بـ التآكل المؤسسي الصامت.
عندما يتحول الدعم إلى إحلال
لا يمكن إنكار الدور المهم الذي قامت به المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية في تقديم الخدمات الصحية خلال الحرب، ولا ينبغي أن يكون الحديث عن ازدواجية الراتب موقفًا من العمل الإنساني أو من تلك المؤسسات.
المشكلة تكمن في النموذج الإداري الذي يسمح للدعم المؤقت بأن يتحول إلى قدرة موازية تستقطب كوادر المؤسسة الحكومية وتعمل خارج إطارها.
فالدعم المؤسسي الحقيقي ينبغي أن يزيد قدرة المؤسسة الأم، ويحافظ على كوادرها، وينقل إليها الخبرة والموارد.
أما عندما تصبح المؤسسة الموازية أكثر قدرة على جذب الكادر الحكومي من المؤسسة التي ينتمي إليها، فإن العلاقة تبدأ بالتحول من دعم المؤسسة إلى استنزافها.
وهنا تفقد المؤسسة الحكومية أحد أهم عناصر قوتها: الإنسان.
والمريض هو الحلقة الأخيرة
قد لا تظهر نتائج هذه الظاهرة فورًا في صورة انهيار واضح؛ فقد تستمر بعض الخدمات، وقد تحقق المؤسسات الموازية إنجازات تشغيلية مهمة.
لكن المشكلة تظهر بصورة أكبر في الحالات التي تحتاج إلى رعاية طويلة ومستمرة.
فمريض الأورام، ومريض الفشل الكلوي، ومريض أمراض الكبد، وغيرهم من أصحاب الأمراض المزمنة والمعقدة، لا يحتاجون إلى خدمة صحية منفصلة تنتهي بانتهاء التدخل؛ بل يحتاجون إلى مسار علاجي متكامل ومستمر، ومسؤولية مؤسسية واضحة تتابع الحالة من التشخيص إلى العلاج والمتابعة.
وعندما يصبح النظام الصحي مجزأً بين مؤسسات متعددة، لكل منها مواردها وأولوياتها وآليات عملها، فإن المريض قد يحصل على خدمة مهمة في لحظة معينة، لكنه يبقى أمام سؤال أكثر أهمية:
من يتحمل مسؤولية علاجه واستمرارية رعايته؟
وهنا تتضح العلاقة بين ازدواجية الراتب والمريض: عندما تستنزف المؤسسة الحكومية من كوادرها، فإن قدرتها على بناء المسار العلاجي المتكامل تضعف، ويصبح النظام الصحي أكثر اعتمادًا على خدمات متفرقة ومؤقتة.
حماية رأس المال المؤسسي
إن القضية إذن ليست قضية موظف يحصل على راتبين، ولا قضية منظمة تدفع مقابلًا ماليًا، وإنما قضية أكبر تتعلق بـ حماية رأس المال المؤسسي الحكومي.
فالطبيب، والممرض، والمهندس، والمعلم، والفني، والإداري وغيرهم، ليسوا مجرد موظفين في كشف الرواتب؛ إنهم خبرة متراكمة وذاكرة مؤسسية وقدرة تشغيلية.
وحين تفقد المؤسسة الحكومية هذه الموارد بصورة تدريجية، فإنها لا تفقد عددًا من الموظفين فقط، وإنما تفقد جزءًا من قدرتها على الاستمرار.
ولهذا فإن ظاهرة ازدواجية الراتب، إذا تركت دون تنظيم، قد تتحول من منفعة فردية إلى خسارة مؤسسية جماعية.
كلمة إلى من يديرون قطاع غزة وإلى السلطة الفلسطينية
إن الحد من هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة.
فالجهة التي تدير قطاع غزة، بما فيها حركة حماس بحكم نفوذها الإداري الفعلي على الأرض، والسلطة الفلسطينية باعتبارها المرجعية الرسمية لمؤسسات الدولة الفلسطينية، مطالبتان بالتعامل مع ازدواجية الراتب باعتبارها قضية مؤسسية تتجاوز حدود الخلاف السياسي.
والمطلوب ليس إغلاق أبواب التعاون مع المنظمات الدولية، ولا منع المؤسسات الإنسانية من تقديم الدعم، وإنما وضع قواعد واضحة تمنع التمويل الموازي من تحويل الموظف الحكومي إلى مورد بشري لمؤسسة أخرى على حساب مؤسسته الأصلية.
كما أن مسؤولية المرجعية الحكومية لا تتوقف عند تنظيم الرواتب، بل تمتد إلى حماية موظفيها من الوقوع في منطقة المرجعيات المتعددة، ومنحهم مسارًا واضحًا: إما الاستمرار في المؤسسة الحكومية بكامل التزاماته ومسؤوليته، أو الانتقال المنظم إلى المؤسسة الأخرى، دون الجمع بين موقعين يخلقان تضاربًا في المرجعية.
وينبغي أن يكون ذلك ضمن قواعد شفافة تحفظ حقوق الموظف، وتحافظ في الوقت نفسه على حق المؤسسة الحكومية في حماية مواردها البشرية.
وهذه القاعدة لا ينبغي أن تقتصر على القطاع الصحي وحده، بل تمتد إلى المؤسسات الحكومية كافة؛ لأن حماية رأس المال البشري هي حماية لرأس المال المؤسسي للدولة.
فالمؤسسة التي تحافظ على موظفيها تحافظ على خبرتها، والتي تحافظ على خبرتها تحافظ على قدرتها، والتي تحافظ على قدرتها تحافظ على خصوصيتها وسيادتها.
ولهذا، فإن وضع حد لازدواجية الراتب ليس مجرد إجراء مالي أو تنظيمي؛ بل هو خطوة ضرورية لاستعادة الانتماء المؤسسي، وحماية رأس المال الحكومي، والحفاظ على سيادة المؤسسة الصحية الحكومية وخصوصيتها.
وفي النهاية، قد تستطيع المؤسسات الموازية أن تسد فراغًا في لحظة، وقد تستطيع تقديم خدمة يحتاجها المريض اليوم، لكن الدولة لا تستطيع أن تبني مؤسساتها إذا أصبحت مواردها البشرية موزعة بين مرجعيات متعددة.
فالمؤسسة لا تفقد سيادتها عندما يُغلق مبناها فقط؛ قد تبدأ في فقدانها عندما تفقد السيطرة على الإنسان الذي يمثل خبرتها وقدرتها وذاكرتها.



