تجربتي تقول.. د/ مروان مشتهى

كشفت التجربة الإنسانية أن سلوك الفرد في المواقف المختلفة ليس مجرد أفعال عابرة، بل هو المرآة الحقيقية التي تعكس عمق شخصيته وجوهر أخلاقه.
تعد الحياة مدرسة مفتوحة لا مكان فيها للمصادفات العبثية؛ إذ يُعدّ كل شخص نلتقيه إما نعمة تُضفي دفئاً على أيامنا، أو درساً يُصقل خبراتنا ويمنحنا الحكمة. وفي هذه الرحلة الطويلة، تتجلى معادن البشر حسب المواقف والأحداث.
إن الحوار المتزن والغضب المفاجئ هما الميزان الأصدق لتقييم العقول وطريقة التفكير وضبط الإنفعالات. فالحديث العابر قادر على فضح الخواء الفكري أو إبراز النضج، بينما يُعتبر الغضب الاختبار الحاسِم الذي تكشف فيه تفاصيل التكوين النفسي والأخلاقي للشخص عند الانفعال.
وفي السياق ذاته، تشكل الأزمات المعلم الحقيقي للإنسان؛ فالألم الذي نمر به ليس عقاباً بل هو دافع جوهري للتطور والتغيير، إذ إن من لا يتألم لا يتعلم، ومن لا يبدأ بالتغيير من داخله لن يستطيع إحداث أي أثر ملموس في واقعه.
وفي خضم هذه التدافعات، يتطلب النضج الفكري حماية الاستقرار النفسي من خلال تجاهل ما يقال عنا في الخفاء، إذ لا يمكن لمرء أن يعيش متزناً وهو يرهن راحة باله بآراء الآخرين.
إن استنزاف طاقتنا في تقديم مبررات واهية لشخصيات ضيقة الأفق هو هدر صريح للوقت والجهد. ينطبق الأمر ذاته على النزاعات؛ فليست كل المعارك تستحق الرد أو الخوض في غمارها، فهناك معارك جانبية لا يجني منها المرء سوى الغبار، ليكون وقوداً لها دون أي عائد يُذكر، مما يجعل الانسحاب الواعي من الفوضى قراراً شجاعاً لا يُقدر بثمن.
ختاماً، يعيش الإنسان فارغاً إن لم يمتلك رؤية واضحة ورسالة سامية تُترجم إلى أهداف واضحة ومرنة وقابلة للقياس والتطبيق. وتكتمل هذه المنظومة بالجمع بين التواضع والثقة بالنفس، كونهما المعيار الحقيقي لصلابة الشخصية؛ فبينما يقرّب التواضع القلوب، تمنح الثقة صاحبها بريقاً خاصاً وتختصر عليه مسافات طويلة في طريق النجاح والتمكّن.
#مروانيات



