بيوت للعزاء، والمواساة.. أم للضحك، والثرثرة، والتصوير، من المتشدقون، والمنافقون

من لم يستمع لم ينتفع، ومن استمع انتفع، ومن انتفع نفَعْ؛ وخاصة، ونحن نعيش زمانًا صار  فيه أهل الحق قليلٌ ما هُم، بينما أهل الباطل، والكذب، والنفاق، والرياء كثير!؛ وكثر في هذه السنوات، والشهور، والأيام الهرج، والمرج والفتن، والقلاقل، لدرجة وصل بها الحال أن تُشاهد الرجل التافه السفيه من: ” الرويبضة” يتكلم في أمر  عامة الناس!؛ والمصيبة التي عمت، وطمت في آخر هذا الزمان الذي نعيش فيه من اختلال القيم، والموازين، وانحراف البوصلة، وانقلاب في العادات، والتقاليد، والتحول، والتغير  في كل شيء من حولنا، وكأننا نعيش فتن آخر الزمان!. وما يُحَزَّنْ الإنسان الحُر الشريف، ويدمي القلب، ما نراه في هذه الأيام من مُنكرات الأفعال، والأقوال، وبعض العادات؛ ومثال ذلك: من المعلوم للجميع أن لكُل مقامٍ مقال؛ فمن غير المعقول أن يذهب إنسان ليقدم واجب العزاء، والمواساة في فقد لقريبه، أو  جاره، أو صديقه الخ..؛ ويقول لهم: ألف مبارك، نبارك لكم فرحكم!؛ أو  أن يذهب إنسان لفرح، ويقول لأصحاب الفرح: عظم الله أجركم!؛ فهذا أمر لا يمكن أن يحدث فعلاً من إنسان عاقل. ولكن ما يحدث اليوم في بعض بيوت العزاء، أو عند دفن الميت في المقابر أعظم مصيبة من كل تصور من ذلك، ولكن  بطريقة مُغايرة لما ذكرتهُ سابقًا؛ بحيث أن بعض  من يذهب ويتبع الجنازة أو بعض من يذهب لتأدية واجب العزاء فى المتوفي؛ وخاصة إن كان الميت ممن كانوا من أصحاب المناصب العليا المرموقة في الدنيا؛ ثم فاضت أرواحهم إلى بارئها جل جلاله – فمن المفروض أن يكون من يذهب لبيت العزاء مواساة أهل الميت، والعمل على الشد من أزرهم ومساعدتهم بالكلام القرآني، والنبوي الطيب الذي يصبرهم في مصيبتهم بفقد عزيز عليهم؛ ومن المعلوم أن  الله عز وجل قال عن الموت في القرآن الكريم مُصيبة، قال تعالى: ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾؛ سمى الله الموت “مصيبة” لما فيه من لوعة الفراق وألم الفقد على الأحياء؛ ورغم تلك المصيبة العظيمة بفقد الميت تجد في بيت العزاء بعض من جاء لالتقاط الصور، وهو يبتسم  وربما يضحك بصوت مرتفع بلا خجل ولا وجل ولا أدب!؛ والبعض الآخر يأتي بيت العزاء خاصة إن كان بيت عزاء المتوفي كان صاحب منصب رفيع؛ فيذهب للعزاء وهو يلبس أجمل الثياب لمصلحة في نفسه، ويقوم بالبحث وعينيه تدور في العزاء على مكان وجود أصحاب منصب رفيع؛ وسرعان ما يذهب ليتصور معهم، وهو فاتح فاه، باسمًا، أو ضاحكًا!؛ كما يعمل على أخذ أرقام هواتفهم، وتشبيك العلاقات العامة معهم متجاهلاً شعور أهل الميت؛ ويفعل ذلك بكل صلف ووقاحة وكأنه ليس  موجود في مجلس عزاء وليس مجلس فرح!.  وهذا كله قلة دوق، وقلة احترام، والمفروض عليه الاتعاظ من مصيبة الموت، “وكفى بالموت واعظًا”!؛ وهذه العبارة فيها حكمة بليغة ومعنى عظيم موافقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم «كفى بالموت واعظاً»، وهي تعني أن مشاهدة الموت وتذكر الفراق يوقظ القلب الغافل بطريقة لا تفعلها أي موعظة أخرى، ومن لا يلين قلبه و يرتدع برؤية الموت لن تؤثر فيه الكلمات!؛ وللأسف أصبحت بعض مجالس العزاء مناسبات للظهور الإعلامي والتقاط الصور التذكارية وبناء علاقات عامة واجتماعية وسياسية بدون الحفاظ على مشاعر أهل المتوفي، والتخفيف عنهم، وليس زيادة الأعباء؛ ويبقى بيت العزاء عادة طيبة تحمل معاني الرحمة والتراحم والتعاطف وصلة الرحم وتقوي روابط المجتمع لذلك لا ينبغي إلغاء هذه العادة بسبب بعض المبالغات فالأصل هو الحفاظ على معناها الجميل مع ترك التكلف والاسراف؛ ومن الرحمة  بأهل الميت لا تحتاج عدم تكليفهم ما لا يطيقون – في العزاء ليس مناسبة للمنافسة أو إظهار القدرة المادية بل هو موقف إنساني يجمع الناس على الخير، ويقف فيه الجميع مع أهل المصاب؛ والذي يريد الاجر والثواب سيجده في مواساة أهل الميت والدعاء له كثيرًا؛  ومن الجميل أن  نسمع في بيوت العزاء شيوخاً يذكرون الناس بالله ويتلون القرآن ويدعون للمتوفى ولعامة المسلمين؛ و أما من يذهب لغير هذا القصد فإثمه على نفسه فالأفضل أن نحافظ على العزاء كقيمة اجتماعية، وإنسانية ونرفع عن أهل المتوفى أي حرج أو تكليف لا يقدرون عليه؛ وأما التجمعات الكبيرة التي فيها البهرجة والرياء، والغلو، والإسراف، والأصوات التي تتعالى من هنا وهناك ضحكات، وقهقهات تأتي من كل زاوية، قصص وحكايات لا تنتهي، وأحاديث جانبية لا تتوقف .. هذا المظهر الغريب تجده  في بعض بيوت العزاء؛ وأما عن الأحاديث الجانبية ورفع الصوت بين أغلب المُعزيين فحدث ولا حرج!؛ وبعض بيوت العزاء تجد الأجواء العامة في العزاء خالية من الحزن أو السكينة والهدوء أو المواساة كما يتطلبه الموقف ليقتصر  الحزن على أهل الميت فقط دون أي مراعاة من قبل المعزين الحزن العائلة، بمصابها الجلل!؛ وكأن العزاء جاء للبعض فرصة للالتقاء مرة أخرى، والتقاط الصور، ولتناول الطعام، والشراب وكأنهم في “فرح”، والأصوات العالية دون مراعاة لحرمة الميت، وكل ذلك من “اسوأ” المظاهر التي نراها، وحتى الصمت مفقود ويحل مكانه الأصوات المرتفعة؛ والمفروض من واجبات الموت في الإسلام كما قال أحد العلماء أمران:” الأول خاص بالميت وهو حضور جنازته، والثاني خاص بأهله وهو مواساتهم، والإسلام لم يأمر بفتح مجالس للعزاء، ولكنه لا يعارض ذلك والأصل لمن يحضرها أن يعتبر أولاً من الموت لأنه سائر إليه وعمره منته به، والثاني الدعاء للميت، والثالث مخالطة أهل الميت، والتخفيف عنهم وتقديم العون لهم وإن أمكن صنع الطعام لهم لانشغالهم بمصيبتهم”؛ ولكن للأسف انه يعتري تلك المجالس بعض الأمور السيئة التي لا بد من التخلص منها؛ وأن يبتعد جميع المُعزين عما يمكن أن يخدش حرمة الميت وأهله من كلام لا فائدة منه، أو غيبة أو نميمة أو ضحك أو لهو؛ فالأصل في عمل بيوت العزاء هو المشاركة الوجدانية لأهل الميت والتخفيف عنهم في مصابهم، ومؤازرتهم، وتقديم مشاعر المواساة الحقيقية؛ ولا يجوز لأحد تحويل دور للعزاء للمزح والضحك، وغياب للمشاعر الصادقة للمتوفى وعائلته؛ فيجب علينا أن نعلم بأن مجلس العزاء ليس مجرد مكان يجتمع فيه الناس، بل هو مجلس مواساة وتخفيف لمصيبة أهل الميت، وأن يكون سيد الموقف في بيت العزاء الوقار، والسكينة، وأن يدخل المُعزي بيت العزاء بسكينة، وهدوء، ويلقي السلام بصوت معتدل، ويجلس في المكان المتاح دون أن يلفت الأنظار، ومواساة أهل المصاب، وتجنب الضحك والحديث الصاخب. فالناس في مجلس العزاء يعيشون ألم الفقد، ومن غير اللائق أن يرتفع صوت الضحك أو المزاح بينهم والتقاط الصور؛ لأن ذلك قد يجرح مشاعر أهل المصاب، وأن يعلم أن الموت كأس الكل ذائقهُ – وصدق الشاعر حينما قال:_ كُلُّ ناعٍ فَسَيُنعى، وكُلُّ باكٍ فَسَيُبكى، وكُلُّ مَذخورٍ سَيَفنى، كُلُّ مَذكورٍ سَيُنسى، لَيسَ غَيرَ اللَهِ يَبقى، مَن عَلا فَاللَهُ أَعلى..

الأديب المفكر العربي والإسلامي الكاتب والباحث والأديب رئيس المركز القومي لعلماء فلسطين

والإتحاد العام للمثقفين والأدباء العرب بفلسطين؛ وعضو نقابة اتحاد كتاب وأدباء مصر ، وفلسطين

الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر بن محمد بن عبد الله أبو نحل

dr.jamalnahel@gamil.com

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com