الأعداد التي تُحصى والأرقام التي تُقاس: مرضى قطاع غزة بين حجم المعاناة ومؤشرات الأداء

نضال احمد جابر جودة
تستعرض الإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة بصورة دورية إحصائياتها وبياناتها، وتقدم جانبًا منها باعتباره مؤشرات على مستوى الأداء والإنجاز. ولا يقتصر الأمر على أعداد المرضى والخدمات المقدمة، بل يمتد أحيانًا إلى أنشطة وإجراءات إدارية، كالزيارات الميدانية للأقسام والمرافق الصحية، باعتبارها جزءًا من مؤشرات الأداء. وهنا يبرز سؤال بسيط، لكنه جوهري: هل كل ما تستطيع المؤسسة عده أو تسجيله أو تنفيذه يمكن اعتباره مؤشرًا على الأداء؟
في الإدارة الصحية، هناك فرق بين أن نعرف كم أنجزنا وبين أن نعرف كيف كان أداؤنا. فإذا أعلن مختبر حكومي أنه أجرى عشرين ألف فحص خلال شهر، فهذا عدد مهم يصف حجم العمل، لكنه لا يخبرنا وحده إن كان المختبر يعمل بكفاءة. فالسؤال الحقيقي: كم استغرق إصدار النتائج؟ وما نسبة الفحوصات التي صدرت ضمن الزمن المحدد؟ وما نسبة الإعادة؟ وهل وصلت النتيجة إلى الطبيب في الوقت الذي يحتاجها فيه؟
الأمر نفسه في الأشعة. قد تعلن الإدارة إجراء عشرة آلاف فحص، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الخدمة كانت جيدة. فالصورة ليست نهاية الخدمة؛ هناك التقرير الطبي، ووقت الانتظار، ووصول النتيجة إلى الطبيب. وكذلك في المناظير: إجراء خمسمائة منظار لا يخبرنا وحده عن أداء القسم ما لم نعرف زمن الانتظار، ونسبة الحالات التي أُجريت في موعدها، وسرعة التعامل مع الحالات العاجلة.
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين العدد ومؤشر الأداء. فالعدد يصف حجم النشاط، أما المؤشر فيضع هذا النشاط أمام معيار وهدف وزمن ونتيجة. عندما نقول: “أجرينا عشرين ألف فحص”، فنحن نحصي. وعندما نقول: “أنجزنا 95% من الفحوصات ضمن الزمن المعياري المحدد”، فنحن نقيس أداءً.
وهذا الفرق ليس مسألة لغوية، بل مسألة إدارية لها أثر مباشر على طريقة اتخاذ القرار. فالإدارة التي تركز على ما يمكن عده قد تنشغل بزيادة أعداد الخدمات، بينما الإدارة التي تقيس الأداء تسأل: هل تحسنت الخدمة فعلًا؟ وهل انعكس ذلك على المريض؟
ومن هنا يمكن النظر إلى الزيارات الميدانية التي تُدرج أحيانًا ضمن مؤشرات الإنجاز. فالزيارة في حد ذاتها نشاط إداري، لكنها لا تصبح مؤشر أداء إلا إذا كان لها هدف محدد ونتيجة قابلة للقياس. ليس المهم أن يزور المسؤول القسم، بل ماذا اكتشف؟ وما الذي تغير بعد الزيارة؟ وهل عولج الاختناق الذي جاءت الزيارة من أجله؟
والأمر ذاته ينطبق على شاشة الاستعلام التي تم استحداثها في مجمع ناصر الطبي. وجود الشاشة قد يكون وسيلة مفيدة لتنظيم المعلومات وخدمة المريض، لكنه لا يمثل بمفرده مؤشرًا على تحسن الأداء. المؤشر الحقيقي هو: هل انخفض زمن الانتظار؟ هل قلّت مراجعات المرضى للاستفسار؟ هل أصبح المريض يعرف أين وصلت معاملته؟ وهل تحسنت الخدمة نتيجة وجودها؟
الوسيلة ليست نتيجة، والنشاط ليس أداءً، والعدد لا يصبح مؤشرًا إلا عندما يرتبط بمعيار.
وتزداد أهمية هذه القاعدة عندما ننتقل إلى ملف مرضى قطاع غزة المحولين للعلاج بالخارج. فهناك 22 ألف مريض محول للعلاج بالخارج، من بينهم 11 ألف مريض من مرضى الأورام. هذه أعداد تعكس حجمًا هائلًا من الاحتياج والمعاناة، لكنها لا تخبرنا وحدها عن أداء المنظومة المسؤولة عن التعامل معها.
المؤشر الحقيقي يبدأ بأسئلة أخرى: كم مريضًا حصل على الموافقة ضمن المدة المحددة؟ كم منهم تمكن من السفر؟ كم حالة عاجلة عولجت في الوقت المناسب؟ كم مريضًا فقد موعده؟ وما متوسط زمن الانتظار؟ والأهم: كم مريضًا وصل فعليًا إلى العلاج الذي يحتاجه؟
هنا يتحول العدد من مجرد إحصائية إلى أداة لاتخاذ القرار.
المشكلة، إذن، ليست في أن الإدارة العامة للمستشفيات تمتلك أعدادًا كثيرة؛ بل في المعيار الذي يمنح هذه الأعداد معناها الإداري. فالمؤسسة تستطيع أن تحصي الفحوصات، والأشعة، والمناظير، والزيارات، والملفات، والتحويلات، وتستطيع أن تعرض هذه البيانات في تقاريرها. لكن إذا لم تحدد ما هو المستوى المقبول، وما هو الهدف، وما هو الزمن المعياري، وكيف ستقيس النتيجة، فإنها تكون قد قاست النشاط أكثر مما قاست الأداء.
وهنا يقع الخلط الإداري الأخطر: أن يصبح كل ما تم إنجازه دليلًا على النجاح، بدل أن يكون النجاح هو مقدار التغيير الذي أحدثه هذا الإنجاز.
في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى تقرير يخبره فقط بعدد الفحوصات التي أُجريت، أو عدد الصور التي التُقطت، أو عدد المناظير التي نُفذت، أو عدد الزيارات التي قام بها المسؤولون. ما يعنيه هو أن يحصل على الخدمة في الوقت المناسب، وبالجودة المطلوبة، وبأقل قدر ممكن من الانتظار والتعقيد.
لذلك فإن السؤال الإداري الأكثر أهمية ليس: كم أنجزنا؟ بل:
بماذا نقارن ما أنجزناه؟ وماذا تغير بعد إنجازه؟
فالأعداد تُحصى، والأرقام تُقاس، أما الأداء الحقيقي فلا يثبته إلا معيار واضح وأثر يلمسه المريض.



