حين تتكلّم الأشجار…!.. نص بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

في هذا المكان،
لا تبدو الشجرة شجرةً فحسب،
بل تبدو كأنها ذاكرةٌ خضراء،
مدّت جذورها عميقًا في التراب،
ورفعت أغصانها نحو السماء،
لتقول إنّ الحياة تعرف كيف تبقى،
حتى حين يطول عليها الزمن.
تحت الظلال،
تستريح الصخور؛
صامتةً، عتيقةً،
كأنها تحفظ أسرار الذين مرّوا من هنا،
وحملوا معهم أحلامهم،
ثم تركوا للمكان خطواتهم وحنينهم.
وفوق الجميع،
سماءٌ زرقاء واسعة،
لا تحجبها غيمة،
تفتح للروح نافذةً على الأمل.
هنا،
بين شجرةٍ وصخرة،
وبين التراب والسماء،
نشعر أن الأرض ليست مكانًا نعيش عليه فقط،
بل ذاكرةٌ تسكننا،
وأن بعض الأمكنة لا نحتاج إلى أن نتحدث عنها كثيرًا؛
يكفي أن ننظر إليها…
فنحن نرى فيها شيئًا من أنفسنا.
ما أجمل أن يبقى للإنسان مكانٌ
كلما عاد إليه،
وجد فيه شيئًا من طفولته،
وشيئًا من أهله،
وشيئًا من الزمن الجميل.
د. عبدالرحيم محمود جاموس
الرياض
16/8/2026 م

حين تتكلم الأشجار… قراءة أدبية
بقلم: د. عادل جوده -من العراق…
📌أولا: المكان بوصفه ذاكرة
ينجح النص منذ بدايته في تحويل المكان من مساحة جغرافية صامتة الى كائن حي يحتفظ بالذاكرة. فالشجرة ليست مجرد عنصر طبيعي، بل ذاكرة خضراء، والجذور هنا رمز للانتماء والامتداد والثبات. وبذلك يصبح المكان حاضرا في وجدان الانسان كما هو حاضر في الارض.
📌ثانيا: انسننة الطبيعة
من اجمل جماليات النص ان الكاتب منح عناصر الطبيعة قدرة على الكلام والشعور. فالشجرة تقول، والصخور تحفظ الاسرار، والسماء تفتح نافذة للامل. هذه الانسنة لا تأتي للزينة البلاغية، بل تجعل الطبيعة شريكا في التجربة الانسانية، وشاهدا على ما مر بها من حكايات.
📌ثالثا: جدلية الصمت والكلام
الصمت في النص ليس فراغا، بل لغة عميقة. الصخور صامتة لكنها تحفظ، والمكان لا يتحدث كثيرا لكنه يقول الكثير لمن يحسن النظر. وهنا يلتقي الصمت بالذاكرة، فيصبح التأمل وسيلة لاكتشاف ما تخفيه الامكنة من مشاعر واثار انسانية.
📌رابعا: الحنين الى الزمن الجميل
ينتقل النص من تأمل الطبيعة الى استحضار الطفولة والاهل والزمن الجميل. وهذا الانتقال يمنح النص بعدا وجدانيا واضحا، اذ لا يعود الحنين موجها الى المكان وحده، بل الى الانسان الذي كانه الكاتب ذات يوم. فالمكان يصبح مرآة تستعيد فيها الروح اجزاءها القديمة.
📌خامسا: الامل في مواجهة الزمن
رغم حضور الزمن بوصفه قوة تمضي ولا تعود، يصر النص على فكرة البقاء. الشجرة التي تواصل نموها، والسماء المفتوحة، والارض التي تحفظ خطى العابرين، كلها اشارات الى قدرة الحياة على التجدد. وهنا يتحول النص الى تأمل هادئ في معنى الاستمرار.
💢الخاتمة
“حين تتكلم الاشجار” نص وجداني يتكئ على بساطة اللغة وعمق الصورة، ويمنح الطبيعة روحا انسانية نابضة. انه نص عن المكان حين يتحول الى ذاكرة، وعن الذاكرة حين تصبح وطنا داخليا. وقد استطاع د. عبدالرحيم جاموس ان يجعل من مشهد طبيعي بسيط مساحة واسعة للتأمل في الزمن والانتماء والحنين، ليقول لنا ان بعض الامكنة لا تسكنها اقدامنا فقط، بل تسكننا هي ايضا.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



