مؤشر الأداء لا يعيش منفصلًا: من قياس المخرجات إلى إدارة المؤسسة.. أريج خليل صافي

لم تكن مداخلتي حول قياس مؤشرات الأداء في المؤسسة الصحية الحكومية الخدماتية اعتراضًا على القياس، ولا محاولة للانتقاص من أهمية تطوير الأداء المؤسسي، بل كانت محاولة للانتقال بالنقاش من قياس المخرجات إلى فهم النظام الذي ينتج هذه المخرجات.
وقد أُخذت مداخلتي على أنها نوع من السلبية، وربما كان السبب أن النقد في بعض البيئات المؤسسية يُفهم أحيانًا باعتباره رفضًا للفكرة. بينما الحقيقة أنني أرى العكس تمامًا؛ فالنقد المهني ليس سلبية، وإنما إحدى أدوات صناعة الإيجابية عندما يكون هدفه تحسين النظام وليس تعطيل العمل.
إن قياس الأداء فكرة إدارية ضرورية، ولكن المؤشر لا يعيش منفصلًا عن البيئة التي أنتجته. فالمؤشر في حد ذاته لا يخبرنا دائمًا لماذا تحقق الأداء أو لماذا لم يتحقق، ولا يستطيع وحده أن يميز بين ضعف الأداء الناتج عن قصور إداري، وبين ضعف الأداء الناتج عن غياب الموارد أو اختلال العمليات أو محدودية القدرة التشغيلية.
ولهذا فإن النظر إلى الأداء من زاوية المخرجات فقط قد يقودنا إلى نتيجة غير دقيقة.
من المدخلات إلى الأثر
من المنظور الإداري والاستراتيجي والتشغيلي، فإن الأداء المؤسسي ينبغي أن يُقرأ ضمن سلسلة مترابطة:
المدخلات → القدرة التشغيلية → العمليات → المخرجات → النتائج → الأثر.
فالمدخلات تشمل الموارد البشرية والمالية والدوائية والتجهيزية والمعلوماتية والبنية التحتية والصلاحيات والموارد اللوجستية وغيرها.
ثم تتحول هذه المدخلات، من خلال العمليات والإجراءات، إلى مخرجات، وهذه المخرجات يفترض أن تقود إلى نتائج، ثم إلى أثر حقيقي على المستفيدين والمجتمع.
ومن هنا فإن مؤشر الأداء ليس نقطة بداية، وإنما أداة لقراءة جزء من هذه السلسلة.
إذا قسنا المخرج دون أن نعرف المدخلات والقدرة التشغيلية والعمليات التي أنتجته، فإننا قد نصل إلى رقم صحيح حسابيًا، لكنه غير كافٍ إداريًا لتفسير الواقع.
وهنا تحديدًا تكمن الفكرة التي حاولت طرحها.
أين المعيار؟
هناك قضية أخرى مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بذلك، وهي أن قياس المؤشر يحتاج إلى مرجع أو معيار يمكن أن نقارن الأداء به.
فلا يكفي أن نقول إن المؤسسة أنجزت 60% أو 70% أو 80% من الحالات. السؤال الإداري الأكثر أهمية هو:
60% مقارنة بماذا؟
هل هو أداء جيد بالنظر إلى الموارد المتاحة؟
هل هو أداء ضعيف بالنظر إلى معيار الخدمة؟
هل المعيار نفسه مبني على قدرة تشغيلية واقعية؟
وهل تم بناء المعيار بناءً على طبيعة الخدمة وحجم الطلب والموارد والظروف التشغيلية؟
لذلك فإن بناء المعيار ليس خطوة تجميلية تسبق المؤشر، بل هو جزء من منظومة إدارة الأداء.
والمعيار الجيد ينبغي ألا يكون مجرد رقم يتم وضعه إداريًا، وإنما ينبغي أن يستند إلى متطلبات الخدمة، والمعايير المهنية، والقدرة المؤسسية، وحجم الطلب، والموارد المتاحة، والظروف التشغيلية.
مثال من المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة
لنأخذ مثالًا واقعيًا من بيئة المؤسسة الصحية الحكومية الخدماتية في قطاع غزة.
لنفترض أن أحد المؤشرات يقيس:
نسبة المرضى الذين حصلوا على الخدمة العلاجية في الوقت المحدد.
وقد أظهرت النتائج أن المؤسسة حققت 55% فقط، بينما المعيار المستهدف هو 90%.
من زاوية المخرجات فقط، يمكن أن تكون النتيجة:
الأداء أقل من المعيار بـ35 نقطة مئوية.
وهنا قد يبدأ البحث عن المسؤول عن انخفاض المؤشر، وقد تتجه أصابع الاتهام إلى الإدارة أو الموظفين أو القسم المعني.
لكن القراءة التشغيلية والاستراتيجية تبدأ من أسئلة مختلفة:
هل كانت الأدوية اللازمة متوفرة؟
هل كانت الأجهزة الطبية تعمل؟
هل عدد الأطباء والتمريض والفنيين يتناسب مع حجم الطلب؟
هل المستشفيات تعمل بكامل طاقتها؟
هل هناك قدرة كافية على إجراء الفحوصات والصور الطبية؟
هل منظومة الإحالات والتحويلات تعمل بكفاءة؟
هل توجد موافقات أو ترتيبات خارجية تعيق وصول المريض إلى الخدمة؟
هل النظام الإلكتروني وقواعد البيانات قادران على دعم القرار؟
هل التمويل والتوريد والإمداد مستقر؟
هل حجم الطلب على الخدمة يتناسب مع القدرة الاستيعابية المتاحة؟
في قطاع صحي يعمل في ظروف استثنائية، فإن تجاهل هذه المدخلات قد يجعلنا نقيس النتيجة التشغيلية للعجز ثم نسميها “ضعف أداء”.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
قد يكون الموظف قد أدى ما يستطيع، ولكن النظام لم يمنحه المدخلات والقدرة التي تمكنه من الوصول إلى المعيار.
وبالتالي فإن انخفاض المؤشر لا يعني بالضرورة انخفاض كفاءة العاملين.
قد يعني ببساطة أن القدرة المؤسسية أقل من الطلب المفروض عليها.
أين تكون السلبية إذن؟
إذا أردنا الحديث عن السلبية، فأنا أرى أن السلبية الحقيقية ليست في طرح الأسئلة النقدية.
السلبية هي أن نكتفي بالقول:
المخرج منخفض، إذن الأداء ضعيف.
ثم نتوقف عند هذه النتيجة.
أما الإيجابية المهنية فهي أن نسأل:
لماذا انخفض المخرج؟
ثم ننتقل إلى:
ما المدخلات التي أثرت عليه؟
ثم:
أين اختلت العملية؟
ثم:
ما الفجوة بين القدرة المطلوبة والقدرة المتاحة؟
ثم:
ما التدخل الذي يمكن أن يعالج هذه الفجوة؟
وهنا يتحول مؤشر الأداء من أداة للمحاسبة فقط إلى أداة للتعلم والتحسين واتخاذ القرار.
من قياس الأداء إلى إدارة الأداء
هناك فرق مهم بين أن نقيس الأداء وأن ندير الأداء.
قياس الأداء يخبرنا بما حدث.
أما إدارة الأداء فتبحث في لماذا حدث، وكيف يمكن تحسينه، وما الموارد المطلوبة، ومن المسؤول، وما الإجراء التصحيحي، ومتى نعيد القياس.
ولهذا فإن المؤسسة الناضجة لا تتعامل مع المؤشر باعتباره نهاية عملية التقييم، وإنما باعتباره بداية دورة جديدة من التحليل والتحسين.
فالهدف النهائي ليس أن نمتلك لوحة مليئة بالمؤشرات، وإنما أن نمتلك نظامًا قادرًا على تحويل المعلومات إلى قرارات، والقرارات إلى تدخلات، والتدخلات إلى نتائج، والنتائج إلى أثر.
البعد الاستراتيجي والتشغيلي
على المستوى الاستراتيجي، يجب أن ترتبط المؤشرات بالأهداف الكبرى للمؤسسة الصحية.
وعلى المستوى التشغيلي، يجب أن نعرف هل تمتلك الوحدات التنفيذية الموارد والقدرات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.
وهنا تظهر العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي والتشغيل وقياس الأداء.
فالاستراتيجية تحدد إلى أين نريد أن نصل.
والتشغيل يحدد كيف سنصل.
والموارد تحدد بأي قدرة سنعمل.
والمؤشرات تخبرنا إلى أي مدى تقدمنا.
والمعايير تحدد ما المستوى الذي نعتبره مقبولًا أو مستهدفًا.
والتحليل يجيب عن السؤال الأهم:
لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة؟
أما التحسين فيجيب:
ماذا سنفعل بعد ذلك؟
كلمة أخيرة
لست ضد قياس مؤشرات الأداء، بل على العكس؛ أرى أن المؤسسة الصحية الحكومية في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى قياس الأداء، ولكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى منظومة متكاملة لإدارة الأداء.
وطرحي لم يكن دعوة إلى التوقف عن القياس، وإنما دعوة إلى أن نبدأ من المكان الصحيح.
فلا يمكن أن نحكم على المخرج دون أن نفهم المدخل، ولا يمكن أن نحكم على العملية دون أن نفهم القدرة، ولا يمكن أن نحاسب على النتيجة دون أن نعرف الظروف التي أنتجتها.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط:
“ما مستوى الأداء؟”
بل أيضًا:
“ما القدرة التي امتلكها النظام لإنتاج هذا الأداء؟”
وهذا، في تقديري، ليس تفكيرًا سلبيًا.
بل هو جوهر التفكير الإداري الإيجابي؛ لأنني عندما أسأل عن المدخلات، فأنا لا أبحث عن مبررات للفشل، وإنما أبحث عن رافعات التحسين.
وعندما أسأل عن المعيار، فأنا لا أرفض القياس، وإنما أبحث عن عدالة القياس وموضوعيته.
وعندما أسأل عن سلسلة المدخلات → العمليات → المخرجات → النتائج → الأثر، فأنا لا أهرب من المسؤولية، وإنما أحاول أن أضع المسؤولية في مكانها الصحيح.
فالمؤسسة التي تريد تحسين أدائها لا تحتاج فقط إلى أن تعرف أين أخفقت؛ بل تحتاج إلى أن تعرف لماذا أخفقت، وما الذي تحتاجه كي تنجح، وكيف ستقيس نجاحها مرة أخرى.
وهنا يصبح مؤشر الأداء ليس مجرد رقم في تقرير، وإنما أداة للإدارة، والتعلم، والتحسين، وصناعة القرار.
أريج خليل صافي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com