المهارة الرقمية مدخل وعامل تمكين للشباب الفلسطيني.. بقلم: د. سلامه أبو زعيتر

تتجاوز أزمة بطالة الشباب والخريجين في فلسطين كونها مجرد أرقام إحصائية صماء؛ لتلامس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لآلاف العائلات. إنها تعبر عن نزيف حقيقي في رأس المال البشري وإهدار لطاقات واعدة، لا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية. وتشتد حدة هذه الأزمة في ظل الانكماش الاقتصادي الراهن، وشح الفرص الوظيفية في القطاعين العام والخاص، واستمرار تبعات الحرب والعدوان؛ مما يجعل الانتقال العاجل من مفهوم التوظيف التقليدي إلى مفهوم “تصدير الخدمات الرقمية” ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل. فالحل لم يعد يكمن في انتظار استراتيجيات حكومية طويلة الأجل، بل في اتخاذ خطوات عملية سريعة الاستجابة تعتمد على اقتصاد المهارة والتمكين الرقمي.

وفي قراءة دقيقة لواقع الشباب الفلسطيني، نجد أن الفئة العمرية الشابة (بين 18 و29 عاماً) تشكل نحو 21% من إجمالي السكان، بواقع 1.2 مليون شاب وشابة. إلا أن هذه القوة الإنتاجية تصطدم بواقع مرير وارتفاع حاد في معدلات البطالة؛ حيث تتجاوز النسبة بين الشباب المشاركين في القوى العاملة بقطاع غزة 85%، وترتفع بين الشابات لتتجاوز 94%، في حين تسجل في الضفة الغربية نحو 37% بين الشباب و46% بين الشابات.

تكشف هذه المعطيات عن فجوة هيكلية عميقة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق؛ تجسدها نسبة البطالة المرتفعة بين حملة الشهادات الجامعية التي تصل إلى 42%، مقارنة بأقل من 30% لخريجي التدريب المهني والتقني. ويأتي ذلك نتيجة تكدس الخريجين في التخصصات الإنسانية والاجتماعية ذات الطاقة الاستيعابية المحدودة، مقابل نمو متسارع للطلب العالمي على المهارات التطبيقية والتقنية.

وبالرغم من هذا المشهد القاتم وآثاره النفسية والاجتماعية العميقة من تفاقم للفقر وتأخر للاستقلال المالي، يظهر على الجانب الآخر شعاع أمل يتجسد في الجاهزية التقنية العالية؛ حيث يمتلك أكثر من 96% من الشباب هواتف نقالة وتتجاوز نسبة استخدام الإنترنت 97%. وهنا تتجلى الفرصة الحقيقية في تحويل هذا الاستهلاك التكنولوجي إلى إنتاجية فعالة، من خلال استغلال مساحات العمل الحر عابر الحدود في مجالات عالية القيمة والنمو—كالبرمجة المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهندسة الأوامر الرقمية، وتدريب النماذج اللغوية، والترجمة التخصصية، وتحليل البيانات المتقدم—لتفادي إحلال الآلة محل المهارات التقليدية، وإكساب الشباب القدرة على قيادتها.

ولتحويل هذا الخيار من مبادرات فردية مشتتة إلى رافد اقتصادي جمعي يُعتمد عليه، يتطلب الأمر الانتقال المباشر نحو خطوات إجرائية محددة وتكاملية بين كافة الأطراف:

·        الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ينبغي إعادة توجيه متطلبات التخرج عبر استبدال المشاريع النظرية بشرط بناء معرض أعمال احترافي، وإنشاء حسابات فعالة على منصات العمل الحر العالمية، ويوازي ذلك تجهيز مساحات عمل مشتركة داخل الجامعات، مدعومة بمصادر الطاقة الشمسية المستقلة وتقنيات الاتصال الفضائي الحديثة، للتغلب على تدمير شبكات الكهرباء والإنترنت التقليدية، لتكون حاضنات ليلية ونهارية للطلاب.

·        القطاع المصرفي وسلطة النقد والجهات الحكومية، وتبرز الحاجة الماسة إلى فك اختناقات الشمول المالي عبر استحداث حسابات بنكية مبسطة مجهزة للمستقلين، والتوسع في تسهيل المعاملات عبر المحافظ الإلكترونية وحلول الدفع الحديثة؛ لضمان وصول التحويلات المالية وسحب العائدات بسلاسة بعيداً عن قيود الحصار، وكما يقع على عاتق الجهات الرسمية والتنموية ممارسة “دبلوماسية رقمية” جادة للتواصل مع المنصات العالمية لتذليل عقبات التحقق من الهوية الرقمية التي تجمد حسابات الشباب الفلسطيني بذرائع جغرافية.

·        الحاضنات والمنظمات التنموية وشبكات المغتربين ويجب إحداث تحول جذري من برامج التدريب النظرية المحدودة إلى تقديم منح الأجهزة والأدوات الإنتاجية المتقدمة (كالبرامج الاحترافية وأجهزة الحاسوب عالية الأداء)، واشتراط التشغيل الفعلي وتحقيق الدخل كمعيار لنجاح المشاريع بدلاً من المساعدات الإغاثية الطارئة، وبالتوازي مع ذلك، تبرز أهمية تفعيل دور الجاليات وشبكات المغتربين الفلسطينيين والعرب في الخارج لتوجيه عقود الأعمال وإسناد الخدمات الرقمية مباشرة نحو الشباب في الداخل كالتزام اقتصادي ووطني أسرع أثراً.

أخيراً، إن الشهادة الجامعية لم تعد في هذا العصر سوى أرضية للانطلاق وليست المحطة النهائية؛ فالمهارة التخصصية والقدرة على التكيف مع ثورة الذكاء الاصطناعي هما السلاح الحقيقي في الاقتصاد الرقمي المفتوح، ولكن هذا التحول لن يكتمل ما لم يرافقه إيمان عميق ومسؤولية وطنية جامحة نحو إيلاء الشباب الرعاية التي يستحقونها؛ إنهم ليسوا عبئاً يُنتظر حله، بل هم الثروة الوطنية الأثمن والمحرك الأساسي للنهوض، وإن الاستثمار المباشر في طاقاتهم، وتذليل العقبات من أمامهم، وتوفير حاضنات حقيقية لتحفيز إبداعهم ليس مجرد خيار تنموي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل الوطن وصموده. وحين نمنح شبابنا الأدوات والثقة، سيبهرون العالم بقدرتهم على تجاوز الجغرافيا وهزم الحصار، لصناعة فرصهم بأيديهم وتحويل أزمات الواقع إلى نجاحات عابرة للحدود.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com