من “السلام الشامل” إلى “استفزاز الحرب”: تصعيد إسرائيلي في سوريا على وقع التموضع التركي
تصعيد إسرائيلي في سوريا على وقع التموضع التركي

تل أبيب- البيادر السياسي ـ بعد أقل من شهر على تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع حول رغبته في التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل “يمهد الطريق لسلام شامل”، وفي ظل تقارير سابقة عن اتفاق (أمريكي – سوري – إسرائيلي) لإخراج مواد نووية من دمشق، عاد التوتر ليخيم على المشهد بقوة. فقد استأنفت إسرائيل هجماتها في سوريا وسط تفاقم الصراع حول التموضع العسكري التركي هناك.
وشهدت الأيام الأخيرة رسائل حادة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأنقرة، حيث اتهمت تركيا نتنياهو بمحاولة “إشعال المنطقة لضمان مستقبله السياسي”، بينما زعم وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الرئيس التركي أردوغان “ضُبط متلبساً”.
ويأتي ذلك وسط تحذيرات أمريكية من مواجهة مباشرة، وتخوف إسرائيلي من مبعوث ترامب إلى المنطقة، وتوترات غير مسبوقة في عرض البحر.
غارات إسرائيلية وتبريرات أمنية
شنت إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي غارة على مطار “أبو الظهور” العسكري في سوريا، عقب إعلان دمشق تغيير موقفها بشأن المواد النووية التي بحوزتها والاحتفاظ بها لـ”أغراض سلمية”.
وتلا ذلك هجوم آخر ظهر الأربعاء استهدف مركبة في بلدة “بيت جن” بريف دمشق، مما أسفر عن إصابة شخص واحد. وزعم جيش الاحتلال أن الهجوم استهدف عنصراً كان يشكل “تهديداً فورياً” وفي مراحل متقدمة من التخطيط لتنفيذ هجمات.
وادعى وزير الجيش الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن استهداف مطار أبو الظهور جاء بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة تفيد باعتزام تركيا نصب أنظمة رادار ودفاع جوي، ونشر قوات كوماندوز تركية في القاعدة.
وأضاف كاتس أن إسرائيل نقلت تحذيراً مسبقاً لأعلى المستويات في النظام السوري وللولايات المتحدة قبل تنفيذ الهجوم، محذراً من أن السماح بهذا التموضع التركي قد يغير ميزان القوى ويقيد حرية العمل الجوي الإسرائيلي.
غضب تركي ومذكرات اعتقال دولية
أثارت الغارات الإسرائيلية غضباً واسعاً في تركيا؛ حيث وصفت صحيفة “تركيا” المقربة من الحكومة الهجوم بأنه “استفزاز خطير للحرب”، مشيرة إلى أن المطار المستهدف لا يبعد سوى 55 كيلومتراً عن الحدود التركية.
واعتبرت الصحيفة أن نتنياهو أصيب بالذعر بعد التوافق بين أردوغان وترامب على حل الأزمات في المنطقة، فلجأ إلى التصعيد العسكري.
ونفت وزارة الدفاع التركية المزاعم الإسرائيلية بوجود قوات لها في القاعدة، داعية المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات ملموسة ضد تحركات إسرائيل
كما هاجم رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، برهان الدين دوران، نتنياهو قائلاً: “إنه لا يتردد في إشعال المنطقة بأسرها لضمان مستقبله السياسي، ويستخدم العداء لتركيا كطوق نجاة عشية الانتخابات”.
وفي خطوة تصعيدية، طلبت تركيا إصدار “نشرة حمراء” من الإنتربول الدولي لاعتقال نتنياهو بتهمة “الإبادة الجماعية” على خلفية قضية أسطول الحرية (مرمرة).
ورد مكتب نتنياهو ببيان هاجم فيه أردوغان، واصفاً إياه بـ “ديكتاتور معادٍ للسامية يطمح لتوسيع عدوانه نحو سوريا وإسرائيل”.
اتصالات سرية وتوتر في البحر المتوسط
كشفت وكالة “رويترز” أن رئيس الموساد الإسرائيلي، رومان غوفمان، أجرى اتصالاً نادراً مع وزير الخارجية السوري، أسد الشيباني، في 14 أغسطس (قبل أربعة أيام من الغارة على مطار أبو الظهور)، لمناقشة الوجود العسكري التركي في سوريا.
وبعد التطورات الأخيرة، وجهت إسرائيل رسالة لدمشق مفادها: “لا نية لدينا للتصعيد مع سوريا أو تركيا، لكننا لن نقبل بتموضع تركي على الأراضي السورية”.
ولم يقتصر التوتر على البر، بل امتد إلى البحر المتوسط؛ حيث تراقب الأوساط الأمنية الإسرائيلية بقلق تزايد التواجد البحري التركي في المنطقة.
ورغم عدم وقوع اشتباكات مباشرة، إلا أن اقتراب السفن الحربية من الجانبين في المياه الدولية والاقتصادية رفع من حالة التأهب، وسط تقديرات بأن تركيا تسعى لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها في موارد الطاقة البحرية.
قلق إسرائيلي من مبعوث ترامب
أعرب السفير الأمريكي لدى تركيا ومبعوث ترامب لسوريا، توم باراك، عن قلقه من الغارات الإسرائيلية، محذراً من أنها تحمل “خطراً حقيقياً” لمواجهة مباشرة.
وألمح باراك في مقابلة صحفية إلى أن إسرائيل ربما تسعى لجر تركيا إلى رد عسكري، واصفاً الهجوم بأنه “خطوة عدوانية قد تخدم أهدافاً انتخابية إسرائيلية”، كما ذكّر بأن الجولان أرض سورية محتلة وفقاً للقانون الدولي، وهو ما استدعى هجوماً لاذعاً من الوزير كاتس.
وتسود مخاوف في تل أبيب من تأثير “باراك” على قرارات الرئيس الأمريكي ترامب، حيث تعتبره إسرائيل منحازاً لمصالح تركيا ويسعى لدمج سوريا في المنظومة الإقليمية وتقليص التواجد العسكري الأمريكي والإسرائيلي؛ في حين تصر إسرائيل على ألا تؤدي أي تسويات مستقبلية إلى تحويل سوريا لدولة خاضعة للنفوذ التركي العسكري.


