هل يعود النعناع الأخضر… أم يعود الأمان؟

بقلم د. سهى شعت
الماضي الجميل قبل السابع من أكتوبر 2023، الذي دقّ طبول الحرب، لا يزال يداعب أهل غزة في نزوحهم القاسي، ويطارحهم الذكريات كلما اشتدّ عليهم الحاضر وضاق بهم المكان. جاءت الحرب، فهدمت البيوت، واقتلعت الأشجار، وغيّرت خرائط غزة ومحت ملامح الأمكنة، لكن الجذور بقيت في الأرض؛ جذورًا تتشبث بما تبقى من خضرة غابت، وحلّت مكانها أغصان يابسة، وذاكرة لا تعرف النسيان.
لا نحتاج إلى منبّه كي نستدعي الماضي؛ تكفي رائحة، أو أغنية لفيروز في الصباح، أو قصيدة لمحمود درويش في المساء، أو صورة عابرة، أو حتى كوب شاي.
في مخيمات الوجع الفلسطيني، تصبح التفاصيل الصغيرة وطنًا.
أنا أحب الشاي بالنعناع. وربما لم أكن أدرك قبل الحرب كم كانت هذه العادة الصغيرة تختزن من دفء وأمان. كنت أعدّ الشاي في بيتي، وأخرج إلى حديقتي لألتقط أوراق النعناع بيدي. كان لدي أكثر من خمسة أنواع منه؛ النعناع البلدي، وروح النعنع، والمليسا، وغيرها.
كنت أستمتع بتمرير يدي على أوراقه، أداعبها بحنان قبل أن أقطفها، ثم أقرّبها من أنفي وأستنشق رائحتها بعمق، قبل أن أمزجها بالشاي لأحصل على مشروبي المفضل. وما إن أرتشفه حتى أشعر أن مزاجي قد تبدّل، وأن شيئًا من الطمأنينة تسلل إلى روحي.
لم أكن يومها منتبهة إلى قيمة هذه التفاصيل الصغيرة، ولم أكن ممتنة بما يكفي لوجودها. كنت أظنها أمورًا عادية لا تستحق التوقف عندها. لم أكن أعرف أن ما نعدّه تفاصيل هامشية قد يكون في الحقيقة أحد أشكال الرفاهية اللطيفة، وأن كوب شاي في شرفة بيت آمن، ويد تمتد إلى حديقة صغيرة، ورائحة نعناع تملأ المكان، هي نعم لا ندرك عظمتها إلا حين نفقدها.
واليوم، أنا أسكن في ما تبقّى من بيتي الذي كان جميلًا. أجلس أحيانًا في شرفة شقتي المتصدعة، فأشعر أنني أجلس فوق طبقات من الذكريات. الجدران ما زالت هنا، لكنها تحمل آثار الحرب، والشرفة ما زالت تطل على المكان، لكن المشهد لم يعد كما كان.
وفي تلك الشرفة، هبّت عاصفة محمّلة بالذكريات.
أشتهي كوبًا من الشاي بالنعناع، فأحصل عليه فعلًا، وربما بالنعناع نفسه، لكن شيئًا ما تغيّر. النكهة موجودة، والرائحة حاضرة، والدفء يتصاعد من الكوب، ومع ذلك أشعر أن الشاي مرّ رغم حلاوته، وممل رغم انتعاش النعناع، حتى رائحته المميزة تبدو وكأنها ذبلت في الطريق بين الماضي والحاضر.
لقد تغيّرت الأشياء، أم تغيّرنا نحن؟
ربما لم يعد النعناع قادرًا على منحنا الطمأنينة التي كان يمنحنا إياها، لأن الذاكرة أصبحت مثقلة بالحرب. كل تفصيل صغير صار نافذة على زمن فقدناه؛ بيت، حديقة، شجرة، شرفة، فنجان، رائحة، جلسة عائلية، وصباح كان يبدأ بلا خوف.
نقارن الماضي بالحاضر، فتصيبنا غصة في القلب، ويرتجف المستقبل من المجهول. نحاول أن نعيش يومنا، لكننا نجرّ خلفنا أيامًا كاملة من الحنين. نبلع حاضرنا بطعمه المر، ونراود الغد لعلّه يكشف لنا عن بصيص أمل، فلا يستجيب.
وربما لهذا تبدو الذاكرة أحيانًا كأنها مجنونة، تجري بين الركام بحثًا عن طريق كانت واضحة المعالم، وعن أجمل نعمة وهبها الله لنا: نعمة النسيان. لكن النسيان ناقوس يدق في مخيلتنا، ويذكّرنا أكثر مما ينبغي. يستعيد التفاصيل التي كنا نظنها عابرة، ويعيدها إلينا الآن بكل وضوح، وكأنه يقول لنا: لم تكونوا تعرفون قيمة ما بين أيديكم.
أتساءل وأنا أحتسي الشاي في شرفتي المتصدعة:
هل يعود النعناع أخضر كما كان؟
هل تعود الحديقة التي كنت أقطف منها أوراقي بيدي؟
هل تعود استكانة الشاي لتحتضن رشفات الشفاه من دون ضجيج، ومن دون أن تقطعها أصوات الحرب؟
هل يعود ذلك الشعور البسيط بالأمان؟
ربما لا نشتاق إلى النعناع وحده، ولا إلى الشاي وحده، بل نشتاق إلى الإنسان الذي كنّاه قبل أن تغيّرنا الحرب.
نشتاق إلى حياة كانت تبدو عادية، ثم اكتشفنا، بعد أن فقدناها، أنها كانت جنة الله على الأرض.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتمناه ليس أن يعود الماضي كما كان، فهذا قد يكون مستحيلًا، بل أن يأتي يوم جديد نستطيع فيه أن نزرع النعناع من جديد، ونعود إلى شرفاتنا، ونعدّ الشاي، ونرتشفه بلا خوف.
يومها فقط، ربما تستعيد الأشياء الصغيرة مذاقها.
وربما يعود النعناع أخضر…
وعندها سنعرف أن السؤال لم يكن يومًا: هل يعود النعناع الأخضر؟
بل: هل يعود الأمان الذي كان يسكن رائحته؟



