هل نحن أمام دولة مؤسسات.. أم مؤسسات أنهكها الانقسام؟.. بقلم: د. عرفان اشتيوي

فلسطين دولة مؤسسات، هذا هو الحلم الذي يجب أن يتحول إلى واقع، والدولة التي ينشدها المواطن الفلسطيني ليست مجرد هياكل إدارية ومكاتب ومسميات، وإنما منظومة متكاملة يحكمها القانون، وتضبطها المسؤولية، وتحكم أداءها الكفاءة والنزاهة، وتكون فيها خدمة المواطن جوهر وجود المؤسسة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وبقوة: هل نحن أمام دولة مؤسسات حقيقية، أم أمام مؤسسات أنهكها الانقسام والخلاف السياسي؟
لقد ترك الانقسام الفلسطيني أثراً عميقاً في بنية المؤسسات وأدائها، ولم يعد تأثيره محصوراً في المشهد السياسي، بل امتد إلى الإدارة والخدمات والحياة اليومية للمواطن. ومع استمرار الخلافات السياسية، أصبحت بعض المؤسسات تعمل في بيئة مرتبكة، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع متطلبات العمل المؤسسي، فتتراجع الكفاءة، وتتسع مساحة الترهل، ويدفع المواطن الثمن.
وتناثرت أسئلة الاستفهام وسط صمت السياسيين، فيما بقيت الإجابات غامضة لا تشفي غليل المواطن الفلسطيني: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الترهل؟ وهل يمكن أن نبني دولة قوية بمؤسسات ضعيفة؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تكون مستقلة في أدائها إذا ظلت أسيرة التجاذبات السياسية؟
ثم يأتي السؤال الأهم: هل شعبنا الفلسطيني قادر على التغيير؟
نعم، قادر على التغيير، لأن الشعب الذي امتلك القدرة على الصمود في وجه الاحتلال والحروب والنكبات، يمتلك أيضاً القدرة على إصلاح واقعه الداخلي. لكن التغيير الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والشخصية.
إن إصلاح المؤسسات لا يبدأ بتغيير الأسماء أو استحداث الهياكل، بل يبدأ بإعادة الاعتبار للقانون، وتحديد المسؤوليات، وربط السلطة بالمساءلة، واعتماد الكفاءة معياراً أساسياً في إدارة الشأن العام.
وهنا تأتي الرقابة لا باعتبارها أداة للعقاب، وإنما باعتبارها صمام أمان للمؤسسة. فالرقابة الجادة تكشف الخلل، وتمنع تراكم الأخطاء، وتضع المسؤول أمام مسؤولياته.
أما التغذية الراجعة من المواطن والموظف والجهات الرقابية، فهي بمثابة المرآة التي ترى المؤسسة من خلالها صورتها الحقيقية. والتقارير التي ترصد مكامن القوة والضعف يجب ألا توضع في الأدراج، بل ينبغي أن تتحول إلى قرارات وإجراءات تصحيحية.
فالرقابة والتقييم والتغذية الراجعة يمكن أن تعزف معاً سمفونية الوقاية وتصحيح المسار؛ سمفونية تمنع الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة، وتعيد للمؤسسة قدرتها على التعلم والتطور.
وما أجمل الدولة التي تتكئ على النظام المؤسساتي؛ دولة لا تتعطل مصالح مواطنيها بسبب الخلاف السياسي، ولا تتغير قواعد العمل بتغير الأشخاص، بل تستمر مؤسساتها بالقانون والكفاءة والمصلحة العامة.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، بل تحتاج إلى مصالحة حقيقية مع مفهوم المؤسسة، وإلى إرادة سياسية تعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نمتلك الشجاعة لبناء دولة مؤسسات حقيقية، أم سنواصل إدارة الخلاف بينما تواصل مؤسساتنا رحلة الترهل؟
إنها لحظة مراجعة لا تحتمل التأجيل؛ فبناء الدولة لا يبدأ من القمة وحدها، بل يبدأ من مؤسسة قوية، وقانون عادل، ورقابة نزيهة، ومواطن يشعر أن صوته مسموع، وأن مؤسسات وطنه وُجدت لخدمته لا لإرباك حياته.
فلسطين تستحق مؤسسات لا تهزمها الخلافات، ولا يرهقها الانقسام، بل تقوى بالقانون، وتتجدد بالنقد، وتنجح بثقة المواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com