بريطانيا في عين العاصفة… ماذا تُخطِّط للعالم؟.. بقلم: صخر الترك

حين ننظر إلى بريطانيا اليوم، لا يمكن اختزالها في دولة أوروبية غادرت الاتحاد الأوروبي، أو في إمبراطورية تعيش على أمجاد الماضي. بريطانيا ما زالت قوة مؤثرة، لكنها تدرك أن العالم تغيّر، وأن قواعد اللعبة الدولية لم تعد كما كانت.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تريد لندن من عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة؟ وكيف تحافظ على نفوذها دون أن تتجاوز حدود إمكاناتها؟
من الواضح أن بريطانيا تعيد ترتيب أوراقها عبر مزيج من القوة العسكرية والدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات، في محاولة للحفاظ على موقعها لاعباً دولياً يصعب تجاوزه.
أوروبا أولاً… ولكن بعين بريطانية
أعادت الحرب الروسية الأوكرانية أوروبا إلى مقدمة الحسابات البريطانية. فمع تزايد المخاوف بشأن مستقبل الدور الأميركي في أمن القارة، تسعى لندن إلى علاقات أكثر قرباً مع أوروبا، خصوصاً في الدفاع والأمن، دون التراجع عن خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي.
بمعنى آخر، تريد بريطانيا أن تكون خارج الاتحاد سياسياً، لكنها أقرب إليه أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً؛ تستفيد من أوروبا دون العودة إليها بالشكل الذي كان قائماً قبل الخروج.
واشنطن… الحليف الذي لا يمكن الاستغناء عنه
رغم تعزيز حضورها الأوروبي، تبقى الولايات المتحدة حجر الأساس في الاستراتيجية البريطانية. فالعلاقة بين لندن وواشنطن تتجاوز التحالف التقليدي، وتشمل الأمن والدفاع والاستخبارات والسياسة.
ومع إعادة واشنطن ترتيب أولوياتها، تبدو أمام بريطانيا فرصة لتؤدي دور الجسر بين أميركا وأوروبا، فتكون قريبة من واشنطن ومؤثرة في أوروبا في الوقت نفسه.
القوة العسكرية… أداة للنفوذ
لا تنظر بريطانيا إلى القوة العسكرية باعتبارها وسيلة لحماية حدودها فقط، بل باعتبارها أداة للنفوذ السياسي والاستراتيجي. ولذلك تعمل على تطوير جيشها وصناعاتها الدفاعية وقدراتها التكنولوجية، مع الحفاظ على الردع النووي.
لكن التحدي الحقيقي هو: هل يستطيع الاقتصاد البريطاني تحمل تكلفة هذا الطموح؟ فالقوة العسكرية لا تصنع نفوذاً دائماً من دون اقتصاد قوي وتكنولوجيا متقدمة وقرار سياسي قادر على تمويلها.
الشرق الأوسط… مساحة لا تستطيع لندن الابتعاد عنها
تبقى الطاقة والتجارة والممرات البحرية والأمن والصراعات الإقليمية عوامل تجعل الشرق الأوسط جزءاً أساسياً من الحسابات البريطانية.
أما فلسطين، فتفرض على لندن معادلة أكثر حساسية بين تحالفاتها الغربية والأمنية، وبين الضغوط السياسية والشعبية المتزايدة بشأن الحرب على غزة ومستقبل القضية الفلسطينية. لذلك سيظل الموقف البريطاني محكوماً بدرجة كبيرة بالمصالح الاستراتيجية ومتغيرات المنطقة.
وفي أفريقيا، تملك بريطانيا أدوات نفوذ لا تحتاج إلى جيوش: اللغة والجامعات والإعلام والاستثمارات والمساعدات والعلاقات التاريخية. فالمنافسة الدولية اليوم قد تمر عبر جامعة أو شركة أو اتفاق تجاري، بقدر ما تمر عبر القوة العسكرية.
الصين وروسيا… الحسابات الأصعب
ترى لندن في روسيا تحدياً مباشراً للأمن الأوروبي، بينما تمثل الصين تحدياً أكثر تعقيداً يمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والنفوذ السياسي. لذلك يبدو أن بريطانيا تراهن على شبكة واسعة من التحالفات والشراكات بدلاً من الدخول في مواجهة شاملة.
وهنا تكمن الفكرة الأهم: بريطانيا لا تستطيع استعادة إمبراطوريتها القديمة، لكنها تستطيع إعادة بناء نفوذها بأدوات جديدة؛ فالسيطرة المباشرة انتهت، وحل محلها النفوذ عبر التحالفات والاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والمعلومات والقوة الناعمة.
فماذا تريد بريطانيا؟
يمكن تلخيص أهدافها في تعزيز أمن أوروبا، والحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة، وتطوير القوة العسكرية والتكنولوجية، وبناء جسور مع أوروبا دون التراجع عن الخروج منها، وحماية مصالحها في الشرق الأوسط والممرات البحرية، والحفاظ على شبكة نفوذ عالمية.
الخلاصة
بريطانيا لا تبدو في طريقها إلى استعادة إمبراطوريتها القديمة، لكنها أيضاً لا تريد أن تصبح دولة أوروبية عادية.
مشروعها الجديد هو إعادة بناء النفوذ لا استعادة الإمبراطورية: جيش أقوى، تحالفات أوسع، علاقة وثيقة بواشنطن، حضور أكبر في أوروبا، ونفوذ عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والقوة الناعمة.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل: هل تستطيع لندن أن تجد لنفسها موقعاً مؤثراً بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، أم أن طموحاتها ستكون أكبر من إمكاناتها؟
ربما هنا تكمن القصة الحقيقية لبريطانيا الجديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com