سوسيولوجيا الهندسة القسرية للاستهلاك في قطاع غزة.. د. سلامه أبو زعيتر

تتجلى في أسواق قطاع غزة اليوم واحدة من أعقد صور التلاعب الاقتصادي والهندسة الاجتماعية في زمن الأزمات؛ حيث تشهد الأسواق إغراقاً كثيفاً بالسلع والمنتجات الترفيهية والتكميلية الإسرائيلية؛ كالعصائر والبسكويت والبفلة والمشروبات الغازية والمكسرات والشيبس والشوكولاتة وغيرها من السكاكر، بالتوازي مع تقييد محكم وشديد على إدخال المواد الغذائية الأساسية والمدخلات الإنتاجية الحيويّة والمستلزمات الطبية (كمستلزمات طب الأسنان التي تتضاعف الحاجة إليها وتتأثر سلباً بانتشار السكاكر). هذا الإغراق الانتقائي لا يمثل مجرد نشاط تجاري عابر، بل يشكل استراتيجية قسرية تضرب البنية الاقتصادية والمالية الشحيحة أصلاً، محولةً ما تبقى من القدرة الشرائية للسكان نحو منافذ استهلاكية غير منتجة فيما يُعرف باقتصاد الفراغ.

وتكمن الخطورة الأولى لهذه الظاهرة في استنزاف السيولة النقدية الشحيحة وترسيخ التبعية الاقتصادية؛ ففي ظل أزمة الشح الخانق في السيولة وتوقف الدورة البنكية الطبيعية، تؤدي وفرة سلع الرفاهية مرتفعة الثمن إلى سحب النقد المتوفر من أيدي المواطنين والنازحين وتوجيهه فوراً إلى حسابات التُّجار الموردين والشركات الإسرائيلية، وبدلاً من أن تُستثمر هذه السيولة الشحيحة في إدخال وشراء الطحين، الدواء، المستلزمات الطبية، أو مدخلات الطاقة الأساسية، يتم امتصاصها في منتجات سريعة الاستهلاك لا تحقق أي قيمة مضافة لتعافي الأسرة أو الاقتصاد المحلي، مما يجعل السوق مجرد قناة ذات اتجاه واحد لشفط الأموال للخارج.

وإلى جانب الاستنزاف المالي، تبرز خطورة البعد السوسيولوجي المتمثل في تشويه السلوك الاستهلاكي وتعميق مظاهر الفقر الكيفي؛ إذ يجد النازح والمحاصر نفسه أمام أسواق ممتلئة ظاهرياً بالبضائع، لكنها فارغة عملياً من المقومات الحيوية للبقاء، وتحت وطأة الضغط النفسي الشديد والحرمان الحسي المتواصل، تُدفع الأسر إلى إنفاق جزء من مساعداتها النقدية الشحيحة على سلع رفاهية كنوع من “الاستهلاك التعويضي النفسي” للأطفال أو الذات، ويتم هذا الإنفاق على حساب الاحتياجات التغذوية الأساسية أو الرعاية الطبية، مما يرفع معدلات سوء التغذية، وفقر الدم، والالتهابات، ويترك السوق يعاني من تضخم كاذب في أسعار المواد الأساسية النادرة مقابل وفرة في السلع غير الضرورية.

كما يمتد الضرر الهيكلي ليزيد من تدمير ما تبقى من الإنتاج والتجارة الوطنية؛ فبدلاً من إدخال المواد الخام والمدخلات التي تسمح للمطاحن، المخابز، أو ورش التصنيع الغذائي الصغيرة بالدوران وتشغيل العمالة المحلية، يتم استبدالها بمنتجات نهائية جاهزة ومغلفة قادمة من خارج الحدود، وهذا الاستبدال القسري يضمن إبقاء الحركة الاقتصادية الوطنية في حالة شلل تام، ويمنع نشوء أي دورة مالية داخلية تعيد تدوير الأموال بين المزارع والمصنّع والمستهلك المحلي، مما يحول المجتمع بالكامل إلى مجتمع مستهلك كلياً وغير قادر على الإنتاج.

إن التصدّي لخطورة هذا الإغراق الاستهلاكي يمثل ضرورة وطنية ومجتمعية تتطلب مواجهة متكاملة؛ تبدأ بإقرار منظومة توجيه استيرادي صارمة تشترك فيها الجهات الرقابية والغرف التجارية والفاعليات الأهلية لتفعيل قائمة أولويات ملزمة تُعطي الأسبقية المطلقة للمواد الأساسية والأدوية والمدخلات الإنتاجية، مع فرض قيود ورسوم تنظيمية على السلع التكميلية، كما يتطلب ذلك تحمّل القطاع الخاص ومستورديه مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية بتوجيه السيولة نحو الشحنات المعيشية والصحية المباشرة والضغط عبر تكتلات تجارية لإدخال الاحتياجات الضرورية، بالتزامن مع إطلاق حملات توعية مجتمعية تُشجع العائلات على ترشيد الإنفاق وتوجيهه حصراً للاحتياجات الأساسية، بما يضمن إبقاء النقد داخل الدورة الاقتصادية الوطنية وحماية المجتمع من فخ التجريد الاستهلاكي.

Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com