هل نستطيع الهروب من واقعنا؟!.. ✍️ مازن المدهون

لا اخفيكم سرا انني منذ فترة طويله احاول الهرب من واقع غزة الذي نعيشه، اهرب من نشرات الاخبار، اقاطع المنصات الاخبارية ولا امر على كل ما يتداول فيها من اخبار الا مرور المتعجل الذي لا يلوي على شيئ وراءه، ليس لشيئ الا لمحاولة استعادة شيئ بسيط من سلامة النفس واستقرار العاطفة وطرد مشاعر الغضب والضيق التي لازمتي منذ الساعات الاولى لصباح ذلك اليوم التعس الذي لا ارغب في ذكر اسمه او بيان شكله .

كنت نائما قبل ان تيقظني زوجتي تستفسر عن ما الذي يحصل ؟! وهل هناك ما يمكن ان يكون جرى خلال ساعات الليل يدل على اننا امام جولة تصعيد بسبب اغتيال هنا او هناك. وهل ترسل الاولاد والبنات الى مدارسهم وجامعاتهم ام تبقيهم في المنزل .

لازلت اتذكر المشهد الاول الذي استفاقت عليه عيناي وابنتي الصغرى تقف في باب الغرفة مرتدية زيها المدرسي المخطط (زي مدارس وكالة الغوث) وعلى ظهرها حقيبتها، فقد كانت في الصف التاسع وقتها وليس ببعيد عنها شقيقها الاصغر ينتظران مني تفسيرا او البت في قرار ابقائهما في المنزل او ذهابهما الى المدرسة .

ربما كان حال شقيقهما الاكبر منهما احسن قليلا على الاقل لم يكونا قد تجهزا بعد للخروج فيرغم إضاعة ابنتي البكر الليل طوله في دراسة احدى المواد التي كانت ستقدم امتحانها في جامعتها صبيحة ذلك اليوم، الا انها ربما فرحت قليلا لانها كانت تعتقد انها لم تكن جاهزة لتقديم ذاك الامتحان وربما جولة تصعيد من عدة ايام كما جرت العادة ستمنحها فرصة الاستعداد اكثر لتقديم ذاك الامتحان.

اما بكري فكان مازال يتمطى وهو الذي كان دوم التفاخر على اشقائه بأن مدرسته صباحي دائم وهو ما يعطيه فرصة ان يؤخر موعد خروجه الى المدرسة لمدة نصف ساعة تقريبا تشعره بأن اكثر تميزا عن اشقائه الذين يخرجون مبكرا عنه.

هذا كان المشهد الصباحي العادي وانا احدث نفسي ومازلت مستلقي على فراشي استمع الى اصوات الاطلاقات الغير معهودة بالنسبة لنا بهذه الكثافة وهذه المدة ،ليبدأ القلق يتسرب الى صدري قبل ان اقف واصعد الى سطح منزلي بعد ان طلبت من زوجتي وابنائي البقاء في البيت وعدم الذهاب الى اي مكان حتى تنجلي الحقيقة ونفهم ماذا يحدث.

صعدت الى سطح المنزل ليلحق بي شقيقي الاصغر ويليه شقيقي الاوسط ولا يوجد على الألسن سوى سؤال واحد لا اجابة له ، ماذا يحدث ؟! هل هناك اغتيال جر رد وموجة تصعيد ؟ هل هي مناورة تجريبية وكانت قد بدأت تتفشى ظاهرة المناورات بين فصائل غزة المسلحة ؟!
كان جاري يقف على سطح منزله يسألنا ونسأله ، ماذا هناك ؟!
ربما كان يسألنا بلهفة معرفة الجواب بشكل اكبر من لهفتنا تبين سببها عندما قال ( الله ينكبهم ، بكره سفري) .

بدأت الاخبار تتوارد عن اقتحامات هنا وهناك وفوضى عارمة على الحدود ، ووسط حالة الذهول قلت كلمة لا استطيع قولها كما هي الان ولكنها تحمل معنى ان تم لإسرائيل ما ارادت .
ذاك صباح غادرنا منذ ما يقارب الثلاث سنوات، لم يبقى من ذلك الصباح سوى صورة في وعينا كم نتمنى ان نعود لها او ان يكون ما بعدها حلم مزعج ينتهي باستيقاظ مفزوع يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويتفل على يساره ثلاثاً.
ولكنه لم يكن ..

طفلتي التي داهمتها الحرب تدرس الان الثانوية العامة ولكنها ما ارتدت زياً مدرسياً قط ، ولم تفرح بإرتداء زي المدارس الثانوية الذي كانت تحلم بإرتدائه ، وطفلي الصغير صار شابا ظهرت عليه علامات البلوغ وارتسم شاربيه ، اما بكري فقد عاش وعشت معه كابوس ان لا يتمكن ابدا من اتمام شهادة الثانوية العامة التي كان قد بدأها ذاك الصباح وأمضى عامين ينتظر فرصة التقدم لإمتحانات الثانوية العامة قبل ان ينالها، لازال ذاك البكاء الصامت ينخر ذاكرتي وهو يرى نتائج زملائه الذين تمكنوا من الخروج من غزة وتقديم امتحانات الثانويه العامة في سفارات فلسطين في الخارج وهو يبكي بصمت حظه العاثر الذي حال بينه وبين ان يكون مثل اي طالب ثانوية عامه يتقدم وينجح ويحتفل .

اما ابنتي البكر التي فرحت لتأجيل امتحان ذاك الصباح فقد تأجلت جامعتها عاما كامل .
كل ذلك لا يعتبر خسائر وليس سبب محاولات الهروب من الواقع . فمجرد ان يكتب الله لك ولأهلك النجاة من هذه الابادة وهذه الحماقة هو المكسب الوحيد الذي يستحق أن تشكر الله عليه وإن لم يمن الله عليك بغيره.

اذا لماذا نحاول الهروب من الواقع ؟!

لأننا مازلنا عالقين او متعلقين بذاك الصباح.
لان الواقع اليوم لا يشبه ابدا ذاك الصباح،.
لا الطرقات هي ذات الطرقات ولا الناس هي ذات الناس ولا الحياه هي ذات الحياه .
لا شيئ مما كان اصبح موجود.
لا مدارس ولا جامعات
لا مستقبل ولا حتى ماضي
فالماضي افضى ركام .
فأي واقع استطيع ان اهرب منه وانا اراه كل يوم في اسعار البضائع وقلة الموارد والخوف من العودة للجوع.

أي واقع استطيع الهرب منه وان اخشى ان البي دعوة فرح او مشاركة واجب العزاء بسبب قلة المواصلات وارتفاع اثمانها وبعد المسافات فما عدنا نستطيع أن نقطع عددة كيلومترات يوميا سيرا على الاقدام سواء لقضاء الحوائج او الترويح عن النفس او المشاركات الاجتماعية.

أي واقع نستطيع الهرب منه وانت تخرج يوميا لا تعلم من يعود ومن لا يعود، بين استهداف هنا او قصف هناك، الهدف لا تعلمه ولا يمكنك التنبئ به ربما مجموعة شباب يجلسون قربك على مقهى، او عائلة تفترش رمال البحر بجانبك، او شاب يقود دراجة تصادف مروه بجانبك او سيارة او مارة او بلا اي سبب.

لا اخفيكم سرا ايضا انني فشلت في محاولات الهروب ..
لان كل شيئ حولك يذكرك بالنكبة التي اصابت غزة وأبنائها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com