ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر

على مدار المقالات السابقة، لم نكن نمارس ترف الكتابة ولا التوثيق السردي، بل فككنا بحرص وتجرّد واقع الأخصائي النفسي والاجتماعي في قطاع غزة؛ استعرضنا حجم الجراح المهنية والإنسانية الغائرة، والأثر المباشر للضغوط الاقتصادية القاسية على جودة الرعاية، والخلل البنيوي في توزيع ميزانيات الدعم النفسي، وأخيراً آفاق التمكين الرقمي لتجاوز قيود الحصار والجغرافيا؛ واليوم، نصل إلى اللحظة الفارقة التي يسقط فيها كل إطار للتشخيص والشكوى؛ فالقضايا العادلة لا تنتصر بالمرثيات ولا بتوصيات المؤتمرات المرفوعة على الرفوف، بل بالتنظيم الصارم، والضغط النقابي، والحلول الإجرائية الملزمة. نضع اليوم مدونة السلوك كالتزام أخلاقي ومهني ذاتي، و”ميثاق العمل” كخارطة طريق حاسمة وعهد إستراتيجي غير قابل للتأجيل أمام كافة الأطراف—من مؤسسات دولية، وجهات أهلية ورسمية، وجامعات، وصناع قرار، وأخصائيين، وإننا نضع هذه الوثائق لتنظيم المهنة ومستقبلها التشغيلي، وحماية المصالح، وتأسيس شراكة حقيقية تضمن تجويد الخدمات، وحماية الحقوق، وتحسين الأداء ببعد تنموي مستدام وتوفير بيئة عمل عادلة ومستقرة ومستدامة.

يبدأ تنفيذ هذا الميثاق بمطالبات حازمة ومباشرة موجهة للمؤسسات الدولية والجهات المانحة، تتصدرها خلق فرص عمل جديدة بمعايير عادلة وربط التمويل بالأجر العادل، عبر الاشتراط الصارم بأن تتضمن كافة مشاريع الدعم النفسي والاجتماعي وإدارة الحالات بنوداً مالية واضحة ومباشرة تضمن حداً أدنى عادلاً لأجور الأخصائيين الميدانيين وفق معايير معيشية كريمة تحفظ كرامتهم الإنسانية، ويتبع ذلك إنهاء سياسة التطوع الاستغلالي عبر التجريم المهني لاستخدام مفاهيم التطوع أو المكافآت الرمزية للحلول محل الوظائف المنتجة والدائمة والمهام الميدانية الأساسية، واقتصار البرامج التدريبية على صيغ الزمالة المأجورة التي تعتمد المزاملة لاكتساب خبرات تساعد الأخصائيين على الالتحاق والاندماج بسوق العمل وفق تخصصاتهم المهنية، وتحسين مهاراتهم وبناء قدراتهم العملية الميدانية، بالإضافة إلى اعتماد الاستدامة البديلة، بالتحول المباشر من العقود الإغاثية قصيرة الأجل إلى مشاريع تنموية مستدامة تمكّن الكادر من التخطيط لمستقبله وتضمن للمستفيدين رعاية تراكمية آمنة.

أما على صعيد المؤسسات الأهلية والجامعات والجهات الحكومية ذات الصلة، فالمطلوب إقرار خطة عمل تنموية شجاعة تشمل تطوير المناهج والتدريب الميداني عبر ربط مساقات التخرج بالاحتياجات الفعلية للميدان، وإدراج مساقات عملية في الاستشارات الرقمية والعمل الحر وإدارة الأزمات، إلى جانب إنشاء “حاضنات للخدمات النفسية التعاونية” تهدف لدعم الخريجين الجدد وتسهيل تأسيسهم لمراكز استشارية مصغرة بنظام التعاونيات المجتمعية عبر تقديم منح تأسيسية صغيرة توفر لهم بيئة تشغيل مستقلة، بالتوازي مع التزام صناع القرار بالاعتراف القانوني والترخيص لشبكات الحماية المهنية.

وفي المقابل، تنطلق دعوة صريحة ومباشرة للأخصائيين والخريجين أنفسهم للالتزام الكامل بـ “مدونة السلوك” التي أصدرتها النقابة لحين صدور تشريع حاسم للمهنة، وتوحيد موقفهم خلف نقابتهم كتكتل نقابي قوي يساهم في تعزيز النضال المهني؛ فهما وسيلة الانتصاف الوحيدة، فأي ميثاق يبقى حبراً على ورق ما لم تحمه قاعدة جماهيرية مهنية مؤمنة بحقوقها ومستعدة للدفاع عنها. ويتطلب ذلك الإسراع الفوري بالالتحاق والانتساب للنقابة باعتبارها تمثل قاعدة الحماية الأولى للمهنة؛ فالإطار النقابي المستقل يعبر عن صوت الأخصائي النفسي والاجتماعي في محافظات غزة، ويدافع عن حقوقه، ويتفاوض باسمه أمام جميع المنظمات الدولية والمحلية، بالتوازي مع رفض العقود غير العادلة ورفع الوعي النقابي بالامتناع الجماعي عن قبول الممارسات التشغيلية القائمة على الاستغلال لفرض الحد الأدنى من الحقوق.

أخيراً، ومن خلال هذا المقال الأخير في سلسلة المقالات التي سلطت الضوء على واقع ومستقبل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين في قطاع غزة، فإننا نعلنها صريحة وقاطعة بأن زمن تجاهل الحقوق والتنكر لمن يقودون ميادين العمل لخدمة المجتمع قد انتهى مع زمن البيانات الشفهية والوعود المؤجلة، وبدأ زمن التحرك الميداني والمؤسسي الجاد، وإن استمرار نزيف هذه الكوادر الكفؤة تحت وطأة الفقر والاستغلال والإنهاك النفسي ليس مجرد خطأ إداري، بل هو جريمة بحق المجتمع وغياب للرؤية الإستراتيجية؛ فالمجتمع المصدوم والمكلوم لا يمكن أن يبرأ أو يستعيد عافيته دون معالجين مستقرين وآمنين ومحميين بحقوقهم؛ ندائي الأخير لكل مسؤول، ولكل ممثل لمنظمة دولية أو أهلية، ولكل أكاديمي، ولكل أخصائي وأخصائية في الميدان: إن إطلاق هذا الميثاق ومدونة السلوك يمثل وثيقة نضال ومبادرة عمل نافذة فوراً، فلننتقل معاً من مساحة التعاطف السلبي إلى مربع القرار الشجاع، ولنمنح مَن يداوي جراح هذا الوطن حقه الأصيل في العيش بكرامة، ليستطيع الاستمرار في أداء رسالته النبيلة والنهوض بكتف المجتمع بأكمله.

Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com