من يريد الزواج نزوجه.. ومن عليه دين نقضي عنه: رسالة من التاريخ إلى حكام الحاضر.. بقلم: جلال مبارك

تُروى عن الخليفة عمر بن عبد العزيز قصة قديمة تستحق أن نتوقف عندها، ليس باعتبارها حكاية من الماضي فحسب، وإنما لأنها تضع أمام حكامنا اليوم مرآة صعبة: ماذا يعني أن تكون السلطة مسؤولية، وأن يكون المال العام أمانة، وأن تكون كرامة الإنسان أولوية؟
وتذكر روايات متداولة أن عمر بن عبد العزيز أمر بالبحث عن الفقراء والغارمين والراغبين في الزواج لمساعدتهم من بيت المال. وتورد بعض المصادر أثراً عنه في المناداة على المحتاجين للزواج والغارمين.
وقد تختلف الروايات في تفاصيل القصة المتداولة، لكن رسالتها الأخلاقية والسياسية تستحق التأمل: الحكم ليس امتيازاً، وإنما مسؤولية تجاه الناس.
وهنا يأتي العتاب السياسي، لا رغبة في جلد أحد، بل من وجع واقعنا العربي والإسلامي.
هل لنا اليوم من مسؤول يجوب هموم الناس قبل أن يجوب المنابر، فيقول: من يريد الزواج نساعده، ومن أثقلته الديون نقف إلى جانبه، ومن تهدم بيته نعيد له سقفاً يحمي أسرته، ومن ضاقت به الحياة نفتح أمامه باباً للعمل والكرامة؟
في عالمنا العربي والإسلامي ثروات هائلة وموازنات ضخمة ومؤسسات كثيرة، ومع ذلك ما زالت أسر عاجزة عن توفير أبسط احتياجاتها، وشباب يؤجلون الزواج بسبب ضيق الحال، ومدينون ينامون تحت وطأة الديون، وبيوت أنهكتها الحروب والفقر والنزوح.
المشكلة ليست دائماً في قلة المال، وإنما في أولويات الإنفاق، وفي غياب العدالة، وفي اتساع المسافة بين صاحب القرار والمواطن البسيط.
نحن بحاجة إلى الإسلام الحقيقي؛ إسلام الرحمة والعدل والتكافل، لا إلى الإسلام السياسي حين يتحول الدين إلى وسيلة للصراع على النفوذ والمصالح.
ما أجمل الزكاة حين تصل إلى مستحقيها، وما أجمل شرع الله حين يُطبق عدلاً ورحمة، وما أجمل المسؤول حين يشعر أن كل محتاج في بلاده أمانة في عنقه.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نخشى طرحه: هل يظهر في زماننا من ينادي: من يريد الزواج نزوجه، ومن عليه دين نقضي عنه، ومن تهدم بيته نبنيه، ومن ضاقت به الدنيا نفتح له أبواب الأمل؟
لسنا نبحث عن عمر بن عبد العزيز ليعود من التاريخ، ولا عن زمن مثالي لا يعود؛ وإنما نبحث عن روح عمر بن عبد العزيز في إدارة شؤون الناس: عدل لا يميز، ورحمة لا تسأل عن لون أو دين، ومال عام يُنفق على الإنسان قبل أن يُنفق على المظاهر.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الشعارات، ولا تُقاس قوة الدولة بعدد القصور والمشاريع، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، وحفظ كرامة الفقير، وإعانة المدين، وفتح الطريق أمام الشباب لبناء أسرهم ومستقبلهم.
ذلك هو الحكم الذي يترك أثراً في حياة الناس، لا مجرد اسم في كتب التاريخ؛ وذلك هو الإسلام الذي نحتاجه: عدل يُرى، ورحمة تُلمس، وزكاة تصل إلى مستحقيها، ومسؤول يعرف أن في عنقه أمانة اسمها الإنسان.
فهل تصل الرسالة من التاريخ إلى حكام الحاضر؟



