الثانوية العامة والدرجات المرتفعة.. أحمد لطفي شاهين

يتعجب معظم الناس من حصول عدد كبير من طلاب الثانوية العامة على درجات مرتفعة في المواد الدراسية، وكأن حصول الإنسان على درجة مرتفعة يعني أنه وصل إلى الكمال المطلق في العلم والمعرفة .
وهذا التعجب ينطلق من الخلط بين كمال الأداء داخل امتحان محدود وبين الكمال المطلق للمعرفة الإنسانية.
فالدرجة المرتفعة لا تعني أن الطالب أحاط بالمادة العلمية كلها، ولا أنه أصبح أعلم الناس بها، ولا أنه بلغ نهاية القدرة على الفهم والتحليل والتطبيق. إنها تعني أنه استوفى، جميع المطالب التي تضمنتها ورقة امتحانية بشرية محدودة في أسئلتها ومحتواها وزمنها ومستوى صعوبتها وفق قواعد للتقييم والتصحيح،
وكذلك فإن الدرجة صفر لا تعني أن الطالب خالٍ تمامًا من المعرفة أو القدرة، وإنما تعني أنه لم يحصل على درجات وفق الأسئلة المحددة وقواعد التصحيح والتقييم المطبقة في ذلك الامتحان.
فالصفر والمائة حدان وضعهما الإنسان لمسطرته القياسية، وليسا حدين للجهل أو العلم أو القدرة المعرفية الإنسانية لأنها أوسع من كل امتحان وكل رقم.
مثلاً حين يحصل طالب على درجة مرتفعة في الرياضيات ، فهذا لا يعني أنه استنفد علم الرياضيات كله، وإنما يعني أنه أجاب عن أسئلة الامتحان المقرر عليه بصورة استحقت جميع الدرجات ووصل إلى سقف أداة التقييم التي استخدمت لقياس جانب محدود من تحصيله الدراسي
السؤال.. هل كثرة الدرجات النهائية المرتفعة مشكلة؟
إن وجود درجات نهائية ليس مشكلة في ذاته. فقد يكون الطالب متفوقًا بالفعل، وقد تكون الأسئلة واضحة، والتدريس جيدًا، والاستعداد قويًا، والتصحيح موضوعيًا.
لكن كثرة الدرجات النهائية تحول الأمر من واقعة فردية إلى سؤال سيكومتري يحتاج إلى الفحص.
فقد تنتج كثرة النهايات العظمى عن تحسن حقيقي في مستوى الطلاب، وقد تنتج عن سهولة الامتحان، أو ضيق نطاقه، أو تكرار أنماط أسئلته، أو الاعتماد الزائد على الحفظ، أو التساهل في التصحيح، أو التدريب المكثف على نماذج متوقعة، أو ضعف قدرة الامتحان على التمييز بين المتفوقين.
وقد تكون كذلك مرتبطة، في بعض البيئات، بالغش أو تسريب الامتحان، لكن لا يجوز القفز إلى هذا التفسير من دون دليل.
إذن لا ينبغي أن نسأل فقط:
كم طالب متفوق؟
بل ينبغي أن نسأل:
لماذا وكيف تفوق هذا العدد ؟ وهل تعكس هذه الدرجات تعليمًا حقيقيًا أم سقفًا منخفضًا للامتحان؟
ان الدرجة المرتفعة ليست حقيقة يقينية
وفي علم القياس لا تُعامل الدرجة التي تظهر في الشهادة باعتبارها الحقيقة الكاملة لمستوى الطالب
وقد يكون هناك أخطاء في القياس تنتج عن عوامل كثيرة،
منها:
حالة الطالب النفسية والصحية يوم الامتحان، وطبيعة الأسئلة، ودرجة صعوبة النموذج، وظروف اللجنة، ودقة التصحيح، واختلاف المصححين، والتخمين، والسهو، والظروف الزمنية، وأخطاء التسجيل والرصد..
( وربما وجود منظومة فاسدة )
ولهذا لا يجب أن تكون الدرجة نقطة يقينية مطلقة، بل هي تقدير يحيط به هامش من الخطأ.
وحين تعلن مؤسسة علمية تحديد درجة للقبول، ينبغي ألا تكتفي بالدرجة المرتفعة التي حصل عليها الطالب، بل يجب أن يكون لديها اسلوب تقييم لمقدار عدم اليقين المحيط بالدرجات المرتفعة ويتم ذلك من خلال امتحان قبول جامعي او امتحان تحديد مستوى بشكل علمي عادل لتقييم الطلاب قبل دخول التخصص المطلوب
فالهدف ليس إلغاء الامتحان ولا التقليل من جهد المتفوقين، وإنما حماية قيمة التفوق الذي حققوه
نحن في حاجة إلى مشروع علمي متكامل يعيد فحص فلسفة الدرجة، وموثوقيتها، وحدود الثقة بها، وأثر الغش خصوصا بالذكاء الاصطناعي وامكانية تسريب الامتحان ، وعدالة التصحيح، وقيمة المجموع، ومدى صلاحية استخدامه في القبول الجامعي.
وهي قضية تستحق أن البحث عبر سنوات متعددة، واجراء مقارنات بين المواد والمدارس والأنظمة الامتحانية، وربط النتائج بالأداء الجامعي اللاحق، حتى ننتقل من الانطباعات المتبادلة إلى الأدلة العلمية المفيدة.
ويجب العمل على بلورة مشروع بحثي موسع في هذا الاتجاه، يربط النتائج بالتطورات الحديثة في القياس وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، على أمل أن يقدم عند اكتماله تصورًا تطبيقيًا للإصلاح، لا مجرد نقد للواقع .
فالثانوية العامة ليست امتحانًا مدرسيًا عاديًا، بل منظومة متكاملة تصنع قرارات تعليمية واجتماعية وأسرية واقتصادية مستقبلية شديدة التأثير



