السيطرة الحوثية على باب المندب وفتح جبهة ثانية ضمن الحرب على إيران!.. د/كاظم ناصر

بدأ الحوثيون الهجوم البري الأخير في الثالث من سبتمبر الجاري 2026، وجاء هذا التحرك الميداني الذي أطلقوا عليه اسم ” والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ” من عدة محاور في الساحل الغربي لليمن بهدف التقدم نحو مدينة المخا، ومضيق باب المندب الاستراتيجي ردا على سياسات السعودية وحلفائها ضد اليمن، حيث بدأت موجة التوتر الأخيرة في يوليو 2026 بعد أزمة محاولة اعتراض طائرة إيرانية متجهة إلى مطار صنعاء، تلاها قصف مكثف متبادل شمل ضربات جوية للتحالف خلال الأيام القليلة الماضية على عدد كبير من الأهداف اليمنية قوبل برد حوثي استهدف مطارات وقواعد عسكرية أمريكية في أبها، وخميس مشيط، وجازان، ونجران، ومنشآت ” أرامكو ” النفطية بعشرات الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة أسفر عن إصابة 73 مدنيا سعوديا داخل الأراضي السعودية، والحق اضرارا كبيرة بالممتلكات وبمنشآت شركة النفط العملاقة ” أرامكو.”
وعلى الرغم من قيام المقاتلات السعودية بشن غارات مكثفة على جبهات القتال لتوفير الغطاء الجوي للقوات الحكومية بهدف صد هجمات الحوثيين ومنعهم من تحقيق أي تقدم بري، إلا أن الحوثيين فاجئوا السعودية وحلفائها اليمنيين بإعلانهم يوم الجمعة 11/9/ 2026 عن سيطرتهم الكاملة على منطقة باب المندب، ومدينة المخا، وبلدة ذوبان الواقعة مباشرة على المضيق، وجزيرتي ميون وبريم الاستراتيجيتين، بالإضافة إلى جزيرتي حنيش الصغرى والكبرى.
فماذا تعني سيطرة الحوثيون على مضيق باب المندب؟ وهل ستأثر هذه السيطرة على ميزان القوى في المنطقة؟ وهل ستكون ضربة موجعة للسعودية التي تعتمد إلى حد كبير على المضيق لتصدير معظم نفطها؟
يمنح هذا الانتصار الحوثيون موقعا أقرب إلى خطوط الملاحة البحرية الدولية ويفرض حضورهم المباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ويمنحهم ورقة ضغط جيوسياسية مهمة نظرا للأهمية الاستثنائية للمضيق، ويمكنهم من التحكم بأهم مسارات النفط الخام والوقود المتجه من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، أو خط أنابيب سوميد على الساحل المصري للبحر الأحمر، فضلا عن السلع المتجهة إلى آسيا، ويمكنهم من تصعيد هجماتهم ضد السعودية، ويمنح طهران مكسبا استراتيجيا مهما في صراعها مع أمريكا وإسرائيل ” وأصدقائهما ” العرب، ويساهم في تقليص إمدادات الطاقة ورفع الأسعار والتأثير سلبا على الاقتصاد العالمي، ويساهم في زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على النظام السعودي والأنظمة العربية وقد يؤدي إلى زعزعة استقرارها.
والجدير بالذكر هو أن الخلافات والحروب السعودية اليمنية ليست جديدة؛ فالعلاقات بين البلدين شهدت سلسلة من النزاعات العسكرية والحروب والتدخلات السياسية على مدار ما يزيد عن قرن من الزمن كان من أهمها:
أولا: مجزرة ” تنومه ” التي حدثت عام 1923، أي قبل تأسيس المملكة العربية السعودية حيث هاجمت قوات ” الإخوان ” التابعة للملك عبد العزيز في وادي ” تومه ” بمحافظة عسير قافلة حجاج يمنية، وأسفر الهجوم عن قتل 3000 حاج يمني، واعتبرت الحادثة من أقدم نقاط الدم الموثقة في الذاكرة اليمنية تجاه التوسع السعودي.
ثانيا: الحرب السعودية اليمنية بسبب النزاع على مناطق ” عسير ونجرا وجازان ” بين الملك عبد العزيز آل سعود والإمام يحيى حميد الدين حاكم المملكة اليمنية المتوكلية والتي انتهت بتوقيع اتفاقية الطائف 1934 وتم بموجبها تم ضم أقاليم ” عسير وجازان ونجران ” للإدارة السعودية مقابل انسحاب القوات السعودية من الحديدة والمدن اليمنية الأخرى.
ثالثا: معارضة السعودية لثورة 26 سبتمبر1962 التي أطاحت بالنظام الملكي واستبدلته بنظام جمهوري ذو توجهات قومية وحدوية، حيث اعتبرت المملكة العربية السعودية وجود هذا النظام في جارتها اليمن تهديدا لنظامها السياسي وعرشها، فتدخلت لدعم الملكيين بقيادة الإمام محمد البدر الذين عارضوا قيام الثورة وزودتهم بالمال والسلاح، وحولت اليمن حينها إلى ساحة حرب دموية بينها وبين اليمن ومصر حتى انتهت الحرب التي دامت ثمان سنوات باعتراف السعودية بالجمهورية اليمنية عام 1970.
رابعا: حرب الوديعة التي اندلعت عام 1979 بسبب نزاع حدودي مسلح في منطقة الوديعة الحدودية بين السعودية وجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، أي دولة اليمن الجنوبي ذو التوجه اليساري الاشتراكي آنذاك.
خامسا: حرب جبل الدخان في صعدة التي اندلعت عام 2009 بسبب اشتباكات حدودية مباشرة بعد اتهام السعودية لجماعة ” أنصار الله ” الحوثيين بالتسلل إلى أراضيها في جبل الدخان، حيث تدخل الجيش السعودي مباشرة بشن غارات جوية وقصف مدفعي مكثف على مواقع الحوثيين في شمال اليمن مساندة لقوات الرئيس علي عبد الله صالح، وانتهت المواجهة بهدنة وانسحاب متبادل بعد ان تكبد الطرفين خسائر مادية وبشرية فادحة.
سادسا: وبعد سيطرة الحوثيون على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، أعلنت السعودية في 26 مارس 2015 عن تشكيل تحالف عسكري أطلقت عليه اسم ” عاصفة الحزم ” للتصدي للحوثيين شاركت فيه الامارات، قطر، البحرين، الكويت، مصر، والمغرب، والسلطة اليمنية الانتقالية برئاسة عبد ربه منصور هادي، الذي فر إلى الرياض في شهر مارس 2015، وقامت السعودية ودول التحالف بفرض حصار بري وبحري وجوي على اليمن، وشنت آلاف الغارات الجوية عليه أدت إلى دمار هائل للبنية التحتية والمدارس والمستشفيات وسقوط عشرات آلاف القتلى، لكن الهجوم توقف بعد موافقة السعودية واليمن على هدنة غير معلنة بدأت في ربيع عام 2022.
أضف إلى هذا التاريخ الدموي في العلاقات بين البلدين موقف الحوثيين الداعم لإيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والرافض لدعم السعودية للحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وللتطبيع مع دولة الاحتلال، والرضوخ للإملاءات الأمريكية -الصهيونية، ولمحاولات أمريكا ودول عربية وإسرائيل المستمرة لتشكيل شرق أوسط جديد بعد هزيمة إيران أو تغيير نظامها ينهي المقاومة، ويؤدي إلى اعتراف السعودية والدول العربية الأخرى بدولة الاحتلال وتصفية القضية الفلسطينية.
لكن يبدو أن حروب السعودية على اليمن، وتدخلاتها في شؤونه الداخلية، ومحاولاتها للهيمنة عليه ومنعه من إقامة نظام سياسي جمهوري مستقر لم تتوقف، وإن آخر محاولاتها للتخلص من الحوثيين وفرض سيطرتها على القرار اليمني قد فشلت، ومن المتوقع، وبعكس ما تتمنى الرياض وواشنطن وتل أبيب، فإن سيطرة ” أنصار الله ” الحوثيين على باب المندب ستكون له تداعيات هامة، قد تؤدي إلى فتح جبهة ثانية مساندة لجبهة مضيق هرمز، وإلى تنامي قوة الحوثيين في الداخل اليمني، وتعزيز علاقاتهم مع إيران، ودعم موقف إيران في حربها مع أمريكا وإسرائيل ومن لف لفيفهما من الحكام العرب!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com