لا تقتلوا الشيوخ.. ففي أعمارهم كنوز من الحكمة.. بقلم: جلال مبارك

يُحكى أن ملكًا أمر جنوده بقتل جميع المسنين في مملكته، فكان شاب يحب أباه حبًا شديدًا، فأخفاه في غرفة سرية تحت منزله، حتى لا تصل إليه أيدي الجنود.
ومرت الأيام، حتى علم الملك، عن طريق جواسيسه، أن الشاب أخفى أباه، فقرر أن يختبر ذكاءه قبل أن يعاقبه.
أرسل إليه أحد جنوده وقال: «الملك يريدك أن تأتي إليه صباحًا راكبًا ماشيًا». احتار الشاب، وعاد إلى أبيه، فابتسم الأب وقال: «خذ عصًا كبيرة، واتكئ عليها وأنت تسير، فتكون راكبًا وماشيًا في الوقت نفسه».
نفذ الشاب النصيحة، فأُعجب الملك بذكائه، ثم قال له: «تعال غدًا لابسًا حافيًا». عاد الشاب إلى أبيه، فأخذ الأب حذاءه ونزع جزءًا من أسفله، وقال له: «البسه، وستكون لابسًا وحافيًا في آن واحد».
ثم قال الملك: «تعال غدًا ومعك عدوك وصديقك». عاد الشاب إلى أبيه، فقال له: «خذ زوجتك وكلبك». وعندما حضر أمام الملك، كشف سلوك كل منهما معنى العداوة والوفاء؛ فالكلب، رغم ما تعرض له، عاد إلى صاحبه عندما ناداه، بينما كشفت الزوجة سرّه للملك.
عندها أدرك الملك أن وراء ذكاء الشاب رجلًا أكثر حكمة وتجربة، فقال له: «ائتني بأبيك غدًا».
حضر الأب، فاستمع الملك إلى حكمته، وأدرك أن قرار التخلص من المسنين كان خطأً كبيرًا، فعيّنه مستشارًا له، وأنقذ الشاب ووالده من الموت.
وهنا تكمن العبرة.
فالأب، مهما تقدم به العمر، ليس عبئًا كما يظن البعض، بل هو كنز من التجارب والحكمة. قد يضعف الجسد، لكن العقل الذي خبر الحياة يصبح أكثر قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون.
الأب مدرسة لا تتكرر، وذاكرة للبيت، وسند لأبنائه في لحظات الحيرة. وقد تكون نصيحته البسيطة سببًا في إنقاذ ابنه من قرار خاطئ، أو فتح طريق لم يكن يراه.
لذلك، لا تنظروا إلى آبائكم وأمهاتكم في كبرهم بعين الضعف، بل بعين الوفاء والامتنان. اقتربوا منهم، استشيروا عقولهم، واستفيدوا من تجاربهم؛ ففي كل تجعيدة على وجوههم حكاية، وفي كل سنة من أعمارهم درس من دروس الحياة.
فالأب لا يدفع أبناءه إلى الأمام فقط، بل يكون لهم درعًا من خبرته، ومصباحًا يضيء لهم الطريق عندما تشتد العتمة.
رحم الله آباءنا وأمهاتنا الذين رحلوا، وأطال الله في أعمار الأحياء منهم، وألبسهم ثوب الصحة والعافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com