الفنتازيا الإسلامية بين التنظير التأصيلي والمواجهة النقدية

بقلم: المختار علم الدين بن رزوقة
يتنازع النقد الأدبي المعاصر طموحُ التحرر من التبعية للمفاهيم الغربية ورغبةُ التأصيل لخصوصية التراث العربي والإسلامي؛ وفي هذا الفضاء السجالي، يبرز مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” الذي طرحه الكاتب والناقد الفلسطيني فراس حج محمد بوصفه محاولة شجاعة لتحقيق “السيادة السردية” واستثمار الميتافيزيقيا الغيبية في البناء التخييلي، إلا أن هذا الجمع بين مرجعيتين تتجاذبان بين ثبات العقيدة وسيولة المتخيل، فتح جدلاً نقدياً تراوح بين القبول التأصيلي والمواجهة التفكيكية.
تستعرض هذه المراجعة الميتا نقدية أبعاد هذا المصطلح الإشكالي، عبر قراءة متوازنة تتأرجح بين الأطروحة التأسيسية للمؤلف، والمراجعة الاستكشافية للناقد رائد الحواري، والرد السجالي الأكاديمي للدكتورة سماهر زنون، للوقوف على مدى مشروعية المصطلح وحصانته المنهجية.
إن الجمع بين مرجعيتين تبدوان متناقضتين للوهلة الأولى؛ “الفنتازيا” القائمة على المتخيل واللامعقول، و”الإسلامية” القائمة على اليقين الغيبي والثبات العقائدي، يضعنا أمام إشكالية اصطلاحية ومشروعية أدبية معقدة، وقد نشر الكاتب مقالة تعريفية حول كتابه يشرح فيها أبعاد المصطلح، وبناء على ما جاء في كتابه بوصفه مدونة أساسية، ومقالته المشار إليها آنفاً، وما أثاره كتابه من قراءات، فإنني في هذه الوقفة سأركز النقاش على النقاط الآتية:
- أبعاد المصطلح وآراء الكاتب.
- مقال الناقد رائد الحواري.
- مقال الباحثة أ. د. سماهر زنون.
- الموازنة بين وجهات النظر الثلاثة، مبلوراً وجهة نظر أخرى.
أبعاد المصطلح ومنطلقاته (وجهة نظر المؤيدين/ المؤلّف)
ينطلق فراس حج محمد في تنظيره للمصطلح من رغبة في تحقيق “السيادة السردية”، ويستند في مشروعيته الأدبية إلى الآتي:
استرداد الذات السردية العربية: يرى المؤلف أن الفنتازيا الغربية توظف اللامعقول لاستكشاف المجهول، بينما يمكن للكاتب العربي تحويل “الغيب الميتافيزيقي الإسلامي” (مثل عوالم الجن، والملائكة، والبرزخ، واليوم الآخر) من حيز اليقين الاعتقادي الصامت إلى مادة سردية خام تُحرر المخيلة وتخرجها من التبعية للمركزية الغربية، لتؤسس لنفسها مسار سرد متميّزة، ونابعة من خصوصيتها الثقافية.
التوظيف الإيماني للخيال: المصطلح لا يهدف إلى إحداث قطيعة مع الدين، بل يسعى لربط العالم الدنيوي بالعالم الأخروي عبر خيال فعّال يخدم الهوية الثقافية، بحيث يُفرّق حازماً بين الأسطورة والخرافة من جهة بمعناهما الغربي، وبين “الحقائق التراثية” كبنية صلبة يُبنى عليها الخيال المطلق.
الامتداد التراثي: يجد هذا التوجه جذوره في الموروث السردي القديم مثل “رسالة الغفران” للمعري، وبعض مرويات المتصوفة، وحكايات العجائبي في الأدب العربي القديم.

الإشكاليات المنهجية ومدى المشروعية (وجهة نظر النقد الصارم)
تواجه “الفنتازيا الإسلامية” تحديات منهجية وشرعية قوية تُضعف من استقرارها كمصطلح أدبي راسخ، وذلك للأسباب الآتية:
التناقض المعرفي (الإبستمولوجي): الفنتازيا في جوهرها الغربي والحديث تقوم على إلغاء قوانين الواقع والشك واللامعقول، وفي المقابل، يقوم الفكر الإسلامي على “اليقين الغيبي” والتسليم المطلق، وإنّ تحويل هذا الغيب إلى فضاء فنتازي قد يُخرج النص من عباءة “الإسلامية” ليصبح نصاً عجائبياً علمانياً، أو قد يُقيد “الفنتازيا” بضوابط تجعلها عاجزة عن الطيران الحر.
إشكالية المرجعية العقائدية (المشروعية الثقافيّة): يثير المصطلح حساسية بالغة؛ إذ إن إدراج الميتافيزيقيا الإسلامية (الغيبيات الثابتة نصاً) تحت مسمى “فنتازيا” (والتي تترجم أحياناً بالوهم أو المتخيل البحت) قد يُفهم منه نزع صفة الحقيقة عن هذه المعتقدات وتحويلها إلى ميثولوجيا بشرية، وهذا ما انتبه إليه الباحث نفسه في كتابه عندما ضبط المصطلح ونفى عنه شبهة الوقوع في هذا الشرَك القاتل.
أزمة النعت المعرفي: يُعاب على المصطلح استخدام الدين (الإسلامية) كنعت لنوع أدبي شكلاني (الفنتازيا)؛ وهو ما يقع في فخ “أدلجة الأنواع الأدبية”، فالأدب إما أن يكون فنتازياً أو واقعياً، أما إضفاء مسحة دينية عليه فيخلق حدوداً تمنع غير المؤمنين بهذه المرجعية من تذوقه أو محاكاته، ولكن ألا يمكن القياس على ذلك بمصطلحات رديفة مستقرة في المدونة الثقافية الإسلامية، وأهم تلك المصطلحات مصطلح “الفلسفة الإسلامية”؟ فالفلسفة ذات المفهوم الدخيل استطاعت أن تجد لها موطئ قدم ثابت وشرعي داخل البنية الثقافية، الدينية والعقدية للإسلام نفسه.
تظل “الفنتازيا الإسلامية” مشروعية أدبية مقبولة بوصفها محاولة للتنظير السردي الساعي لاستغلال المخزون العجائبي والتراثي الهائل للثقافة الإسلامية، تماماً كما استغلت الآداب العالمية الميثولوجيا الإغريقية والمسيحية، ولكنها ربما ستظل تفتقر إلى المشروعية الاصطلاحية المستقرة وخاصة في البداية، نظراً للحساسية العقائدية والتداخل المفاهيمي المعقد بين حدود الإيمان الديني المطلق وبين حدود التخييل الفني الحر.
رائد الحواري والانتقاد الحاد
تناول الناقد رائد الحواري كتاب “الفنتازيا الإسلامية” للكاتب فراس حج محمد بقراءة نقدية تحليلية سلط فيها الضوء على مفهوم الأساطير وعلاقتها بالبناء العقائدي والديني البشري، وقد أبرزت قراءته النقاط والمفاهيم الآتية:
مفهوم الأساطير: أشار الحواري إلى أن معظم شعوب العالم لجأت إلى خلق عوالم وشخصيات وأحداث متخيّلة وخارقة لتأسيس معتقداتها، بحيث يُزاد على الواقع والحقيقة ليصبح الحدث أو الشخص أضخم وأعظم.
النزعة الإنسانية العامة: اعتبر أن التخيل وعالم الخوارق والأزمنة البعيدة ليس حكراً على أمة دون أخرى، بل هو وسيلة بشرية عامة لا تخلو منها حضارة تاريخية أو دينية.
التوظيف التراثي: ناقش كيف أن الموروث الديني والتاريخي عبر العصور تضمن عوالم متخيلة ومرويات تم البناء عليها فنياً وفكرياً.
ويُمكن تقييم مقال الناقد رائد الحواري في مراجعته لكتاب “الفنتازيا الإسلامية” بأنه مقال تفسيري استكشافي يتسم بالمرونة الفكرية، لكنه يميل إلى التبسيط العرضي أكثر من العمق المنهجي الصارم، وهذا ما أشارت إليه أ.د. سماهر زنّون في مراجعتها لانتقادات الحواري المنهجية، وعند تفكيك الصلابة النقدية والمنهجية للمقال، نجد أنه ينقسم بين نقاط قوة واضحة ومآخذ منهجية:
- مظاهر القوة والتماسك في المقال
التأسيس الأنثروبولوجي الموفق: نجح الحواري في وضع الكتاب ضمن سياق إنساني عام، فلم يتعامل مع “الفنتازيا الإسلامية” كظاهرة معزولة، بل ربطها بجذور الأساطير التأسيسية لدى الشعوب (مثل أساطير عشتار، وتموز، وجلجامش)، هذا المنظور المقارن يمنح المقال أرضية فكرية مقبولة.
تفكيك المفهوم وتجريده: اتسمت قراءته بالموضوعية والدقة عند شرحه لكيفية تضخيم الواقع التاريخي أو الديني ليتحول إلى فضاء خارق أو متخيل يسهم في بناء المعتقدات الشعبية والدينية.
النزوع العقلاني والنقدي: لم يتهيب الناقد من مناقشة فكرة دخول “المتخيَّل” إلى الأدبيات الموروثة، وهو ما يتطلب شجاعة نقدية لتناول موضوع حساس يمس البناء العقائدي والفكري.
- المآخذ على الصلابة المنهجية عند الحوّاري
غياب الأدوات التفكيكية الصارمة: المقال يركز بشكل أكبر على العرض والتلخيص المفهومي (توضيح الأفكار) بدلاً من اللجوء إلى آليات النقد البنيوي، أو التفكيكي، أو السيميائي، فقد بدا أقرب إلى القراءة التفسيرية (Commentary) منه إلى النقد المنهجي الأكاديمي.
العمومية في الطرح: عند إسقاطه لفكرة الأساطير والتخيل على التراث، مال الحواري إلى التعميم دون الدخول في تشريح نصوص أو فصول محددة من كتاب فراس حج محمد؛ فالقارئ للمقال يخرج بفكرة عامة عن الفنتازيا التراثية دون رؤية تطبيقات نقدية ملموسة تعكس تفاعل الناقد مع أدوات المؤلف.
المسالمة النقدية: يفتقر المقال إلى الروح الاشتباكية مع المؤلف؛ حيث تبنى الناقد دور المفسّر والشارح لأطروحة حج محمد دون تقديم مراجعة صارمة أو مساءلة حقيقية لمدى دقة وصلاحية مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” من الناحيتين الاصطلاحية والشرعية.
وعليه، فالمقال يمتلك صلابة فكرية من حيث تقديم وعي معرفي عام حول نشأة المرويات الخارقة وتوظيف التراث، ولكنه يعاني من ليونة منهجية تجعله قراءة انطباعية تفسيرية وتنويرية ثقافية عامة، أكثر من كونه دراسة نقدية جادة ومؤصلة اصطلاحياً، وربما هذا ما يجعل مراجعات الحواري التي اطلعتُ عليها خلال إعداد هذه المناقشة مراجعات نقدية لها هذا الامتداد الأفقي للمعرفة الشخصية دون أن يتجه نحو التحليل العمودي للرؤى الفكرية، وهذا- من وجهة نظرنا- لا يؤهلها لتكون مراجعات رصينة، إنما ليست أكثر من أفكار ثقافية تساهم في إحداث التعريف العام بالمنجز الأدبي لشريحة واسعة من المتلقين المعنيين بالمعنى العام والإجمالي لحركة الثقافة في المجتمع.
سماهر زنون والاشتباك النقدي
يمثل مقال سماهر زنّون مراجعة نقدية سجالية (الرد على الرد)، حيث كُتب خصيصاً لتفنيد الهجوم النقدي الذي شنه الناقد رائد الحواري في موقع الحوار المتمدن ضد كتاب فراس حج محمد، وفيما يأتي قراءة لمقال زنون من حيث الصلابة المنهجية، والمشروعية، والأدوات النقدية التي اعتمدتها الباحثة:
أولاً: الصلابة المنهجية والأدوات النقدية
اتسم مقال سماهر زنّون بصلابة منهجية عالية وتأصيل أكاديمي واضح، تفوقت فيه إجرائياً على القراءة الانطباعية للحواري، ويظهر ذلك في:
التأسيس الاصطلاحي الصارم (التفكيك الخماسي): لم تكتفِ الباحثة بالدفاع العاطفي، بل وضعت خمسة فروق جوهرية بين “الفنتازيا الإسلامية” و”الأسطورة الغربية” (من حيث: التأسيس المعرفي، وطبيعة الكائنات، والهدف السردي، والفضاء الزمكاني، والمنطق السردي)، وقد منح هذا التقسيم المقال بنية أكاديمية متماسكة.
القدرة على التطبيق النصي: على عكس الحواري الذي مال للتعميم، قامت زنّون باستدعاء نموذج تطبيقي صلب من متن الكتاب ومناقشته، وهو كتاب “التوهم” للحارث المحاسبي. وحللت تقنيات الاستحضار الذهني والبناء البصري المكثف فيه (مثل تقنية “توهم” و”أرأيتِ”).
الامتداد القرائي للفصول المهملة: امتدت صلابة الباحثة المنهجية لتشمل نقد “إغفال” الحواري لفصول كاملة من الكتاب، مثل الفصل الرابع المتعلق بفضاء البرزخ عند ابن أبي الدنيا (كتاب المنامات)، والفصل الثامن (سردية محتملة ليوم القيامة)، مما يثبت أنها استوعبت الأطروحة كبنية فكرية كاملة.
ثانياً: مشروعية الطرح والدفاع
اكتسب مقال د. سماهر مشروعيته المعرفية من محاولتها تحرير المصطلح من التبعية الفكرية للغرب، فبينت:
شرعنة استعارة اللفظ: قدمت الباحثة تبريراً نقدياً ذكياً لاستخدام لفظ “فنتازيا”؛ معتبرة أن استعارة اللفظ لا تعني استيراد دلالته الغربية، بل هي مجرد “إيجاد أرضية مشتركة” مع النقاد، يتم من خلالها “حقن المفهوم” بمعانٍ غيبية إسلامية أصيلة تنبثق من صلب العقيدة والوحي.
تفكيك الموقف الأيديولوجي: منحت الباحثة مقالها مشروعية نقدية عندما كشفت عن الخلفية الأيديولوجية لرد الحواري، مشيرة إلى أن “خطابه النقدي انفعالي” ومؤطر بأفق سياسي أيديولوجي تغلب عليه “النظرة الاشتراكية الجامدة”، وهو ما أعماه عن رؤية الآليات الفنية للتأزم الوجودي والدراما الداخلية في نصوص التراث الإسلامي.
ثالثاً: المآخذ النقدية على مقال د. سماهر
رغم قوة المقال المنهجية، إلا أنه يعيبه أمران:
الوقوع في فخ “التبجيلية” والإعجاب المسبق: تعلن الكاتبة منذ البداية إعجابها الشديد بطروحات كتاب حج محمد قائلة: “لا نستطيع إخفاء إعجابنا بها”، وهو ما جعل مقالها يتحول في بعض المواضع من “مراجعة نقدية محايدة” إلى “بيان دفاعي متضامن” يتجلى في رغبتها المطلقة في تفنيد كل ما قاله الحواري، وتنبي طروحات المؤلف، وكأنها أصبحت “ناطقة نقدية باسمه”.
محاكمة نوايا الناقد (النزعة السجالية الحادة): بدلاً من الاكتفاء بمناقشة الأفكار، اتهمت الحواري بالغفلة المنهجية، والخطاب الانفعالي، وشق طريق فرعي لاتهامه بشن هجوم كاسح على شخص “عبد الله عزام” خارج السياق البحثي الأكاديمي للكتاب.
ومع ذلك يبقى مقال د. سماهر زنّون نموذجاً للمراجعة النقدية الرصينة والمسلحة بأدوات أكاديمية حقيقية، فقد نجحت تماماً في سد الثغرات التي تركها رائد الحواري، ونقلت النقاش من الانطباع السطحي إلى التشريح الاصطلاحي البنيوي، حتى وإن شاب مقالها حدة السجال ونبرة الانحياز التام للمؤلف، وبناء على هذه المقارنة بين القراءتين، يتبين أنهما متناقضتان فالحواري كان تبسيطياً في حين كانت زنون تأصيلية منهجية وأكاديمية رصينة.
تأصيل الكاتب لطروحاته:
وفي مقالة تعريفية لصاحب المصطلح حمل عنوان “الفنتازيا الإسلامية: تعريفاً وتنظيراً” تناول فيها الركائز التأسيسية التي بنى عليها أطروحته، وظهر وثيقة مرجعية تفسر مساحات الاتصال والانفصال بين فكره الأصيل وبين القراءتين المتباينتين لكل من د. سماهر زنّون ورائد الحواري.
يمثل كتاب “الفنتازيا الإسلامية” ومقال الكاتب المرجعية الأولى التي انبثق منها دفاع د. سماهر، وفي الوقت ذاته يُظهر بوضوح مكامن الخلل والقصور المعرفي في هجوم الناقد رائد الحواري، وإليك التفكيك المفصل لعلاقة طرح المؤلف بالطرحين السابقين للحواري وزنون:
أولاً: مساحات الاتصال والانفصال مع “طرح د. سماهر زنّون”
- نقاط الاتصال (التطابق التام):
التأسيس الميتافيزيقي للغيب: تتطابق أفكار فراس حج محمد مع طرح د. سماهر في أن الخيال الإسلامي ليس “عبثاً” أو “هروباً من الواقع”، بل هو خيال مدفوع بالوحي واليقين العقدي، فكلاهما يؤكد أن عوالم الجن، والملائكة، والبرزخ كائنات وفضاءات حقيقية في الوعي الإسلامي الثابت، وليست مجرد خرافات موازية.
تفكيك مفهوم “استعارة اللفظ”: يوضح حج محمد أنه استعار لفظ “فنتازيا” (المصطلح الغربي) كجسر تواصل مع النقاد والحداثة الأدبية فقط، مع تفريغه من حمولته الفلسفية الغربية المنهارة وحقنه بدلالات تراثية إسلامية، وهو ما التقطته د. سماهر بدقة ووظفته في مقالها كدفاع منهجي صلب ضد الحواري.
النماذج التطبيقية وعوالم البرزخ والقيامة: تتصل وجهتا النظر لدى زنون وحج محمد اتصالاً عضوياً في رؤية نصوص الحارث المحاسبي (التوهم) وابن أبي الدنيا كأدوات سينمائية وبصرية خارقة للحجب، قادرة على صياغة “التأزم الوجودي” للإنسان أمام مصيره الغيبي.
- نقاط الانفصال (الاختلاف الهادئ):
التأطير المعرفي المباشر مقابل السجالية الحادة: حرص فراس حج محمد وخاصة في المقال أن يكون تنظيرياً، معرفياً، محايداً، حيث يركز على صياغة “مانيفستو” أدبي لبناء نوع سردي جديد، في المقابل، انفصل طرح د. سماهر عنه بتحويل هذه الأفكار المعرفية الهادئة إلى “سلاح سجالي هجومي” لمحاكمة نوايا رائد الحواري والرد عليه بحدة.
تقنين الانحياز الأيديولوجي: يقدم فراس حج محمد مصطلحه كأداة لتحرير السرد العربي من المركزية الغربية عموماً، أما د. سماهر فقد خصصت جزءاً من طرحها لربط هجوم الحواري بنزعته الاشتراكية وموقفه السياسي، وهو بُعد أيديولوجي غاب عن مقال المؤلف التنظيري المباشر، كما لم يحفل به في فصول كتابه ككل.
ثانياً: مساحات الاتصال والانفصال مع طرح رائد الحواري
- نقاط الاتصال (مساحات التلاقي المحدودة):
الاشتراك في استشعار “الخوارق التراثية”: يلتقي مقال فراس “تعريفاً وتنظيراً” مع الحواري في نقطة واحدة أساسية، وهي الاعتراف بأن التراث العربي والإسلامي (المحاسبي، ابن عربي) يعج بالسرود العجائبية، والخيال المطلق، والمرويات الخارقة للمألوف، وأنها مادة جديرة بالدراسة والالتفات النقدي.
- نقاط الانفصال (التناقض المعرفي الحاد):
اليقين العقدي مقابل الميثولوجيا البشرية: يفصل فراس حج محمد فصلاً حاسماً بين الفنتازيا الإسلامية والأساطير (Mythology)، ويرى أن الفنتازيا الإسلامية تنبثق من التوحيد والوحي المطلق، بينما رائد الحواري في مقاله النقدي دمجها بالنزعة الأنثروبولوجية العامة للشعوب (مثل أساطير عشتار وجلجامش)، واعتبر الغيب مجرد تضخيم للواقع وتخيّل بشري، وهو ما رفضه الكاتب جملة وتفصيلاً.
معايير المحاكمة النقدية: ينفصل فكر المؤلف عن طرح الحواري في آليات القراءة؛ فالحواري حاول محاكمة النصوص التراثية (مثل التوهم للمحاسبي) بمعايير الواقعية السطحية والمنطق الأرضي، معتبراً بعضها مجرد وعظ جاف أو مرويات تفتقر للدراما، بينما ينظر فراس في طروحاته إلى هذه النصوص باعتبارها تمتلك منطقاً غيبياً وسيولة زمكانية خاصة (منطق غير نيوتني) تُلغى فيه الجاذبية والزمن الخطي لصالح شفافية الروح.
قراءة المتن الكلي مقابل النقد المجتزأ: أثبت فراس من خلال عرضه لبنية الأطروحة الشاملة من البرزخ حتى سردية يوم القيامة أن نقد رائد الحواري كان مجتزأً وانفعالياً؛ حيث ركز الحواري على إسقاطات سياسية وهجوم على شخوص معاصرة (مثل عبد الله عزام وسروده)، متجاوزاً المباحث الفلسفية الختامية للكتاب التي تشكل الرؤية الدائرية لاكتمال الوجود الإنساني من الدنيا إلى الآخرة.
وبعد، يُمكن القول إن آراء فراس حج محمد “التنظيرية هي المرآة المعرفية النقية للمصطلح؛ حيث وجدت فيه د. سماهر زنّون مادتها الخام لتصيغ منها درعاً دفاعياً أكاديمياً متماسكاً (اتصال في الجوهر المعرفي)، في حين كشف المقال تحديدا عن عجز أدوات رائد الحواري الذي تعامل مع المصطلح بتبعية للنموذج الغربي وبعمومية قاصرة عن إدراك خصوصية “الميتافيزيقيا الإسلامية” (انفصال في الرؤية والمنهج).
خاتمة: أفق المصطلح وسؤال المستقبل السردي
ختاماً، يتبيّن من خلال تفكيك المرجعيات والأطروحات المتبادلة بين مؤلّف المصطلح فراس حج محمد والقراءتين المتباينتين لكلّ من الناقد رائد الحواري والدكتورة سماهر زنّون، أن مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” يقف عند نقطة تماس حادة بين طموح التنظير السردي وحساسية التلقي العقائدي والاصطلاحي.
إن النقد السجالي المحتدم الذي أحيط بالمصطلح يعكس أزمة أعمق في النقد العربي المعاصر؛ وهي أزمة التوثيق الاصطلاحي وكيفية التعامل مع المفاهيم الغربية المستوردة عند دمجها بالبنى التراثية والدينية. فبينما نجح فراس حج محمد في تقديم مسعىً تنظيرياً يهدف إلى استرداد الذات السردية العربية وتحرير المخيلة من التبعية للمركزية الغربية عبر توظيف الميتافيزيقيا الغيبية، ووجدت الدكتورة سماهر زنّون في هذا المسعى تأصيلاً نقدياً قادراً على تشريح تقنيات النصوص التراثية ككتاب “التوهم” للمحاسبي وعوالم البرزخ، فإن القراءة التبسيطية أو التحفظات الإبستمولوجية التي مثلها طرح رائد الحواري تظل مؤشراً على صعوبة انتزاع المصطلح لمشروعية اصطلاحية مستقرة تخرجه من دائرة الجدل والأيديولوجيا إلى حيز التطبيق الاستكشافي الخالص.
يبقى السؤال القائم والمفتوح أمام الأدب والنقد العربي: هل يمتلك مصطلح “الفنتازيا الإسلامية” من المرونة والصلابة المنهجية ما يؤهله للتحول إلى مدرسة سردية مستقلاًّ بخصائصها، أم أنه سيظل مجرد “محاولة تنظيرية شجاعة” تضيء جانب العجائبي في التراث دون أن تستقر كجنس أدبي ناجز؟ إن حسم هذه الإشكالية رهينٌ بالإنتاج الأدبي الفعلي القادم، ومدى قدرة النصوص الروائية والسردية على إثبات مفهوم “السيادة السردية” واقعاً فنياً متكاملاً يفوق حد السجال النظري والمواقف النقدية المتعارضة.



