المكاتب الحركية.. استقلالية القواعد شرطٌ لاستعادة قوة الحركة

بقلم: د. عرفان اشتيوي

المكاتب الحركية ليست مجرد أطر تنظيمية تحمل أسماء أو عناوين، بل هي بوابة العمل الجماهيري والنقابي والانتخابي، والمساحة التي تتفاعل من خلالها الحركة مع قواعدها وجمهورها ومؤسساتها، وتترجم رؤيتها التنظيمية إلى عمل ميداني ملموس.
ومن هنا، فإن الحفاظ على استقلالية المكاتب الحركية وفاعليتها التنظيمية ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة لضمان قدرتها على أداء دورها بعيدًا عن التداخلات الشخصية أو المصالح الضيقة، وبما يحفظ لها مكانتها كأحد أهم روافع العمل الحركي.
والأصل أن تكون المكاتب الحركية لجانًا رئيسية مستقلة بذاتها ضمن الهيكل التنظيمي، لا لجانًا فرعية تابعة للجنة أساسية أخرى، سواء كانت لجنة المؤسسات أو اللجنة التنظيمية أو غيرها. فاختزالها في إطار فرعي ينتقص من طبيعة الدور الذي يفترض أن تؤديه، ويضعف قدرتها على التواصل المباشر مع القواعد والجمهور.
فالمكاتب الحركية هي ميزان القوة في التنظيمات الفلسطينية؛ لأنها تمثل الامتداد الحقيقي للحركة في المجتمع، وتصل بين التنظيم وقواعده، وبين القرار والجمهور. ولذلك، فإن هذا الميزان يجب أن يكون في موقع متقدم داخل الهيكل التنظيمي، قادرًا على التأثير والمبادرة والتصدي للاستحقاقات الجماهيرية والنقابية والانتخابية.
ويجب أن تعمل هذه اللجان وفق رؤية تنظيمية واضحة، وتستند إلى الكفاءة والتمثيل الحقيقي، وتمنح القواعد والكوادر مساحة فعلية للمشاركة والتأثير، بما يعزز حضور الحركة ويعيد الاعتبار لدور القواعد في صناعة القرار والعمل الميداني.
فالعمل الجماهيري لا يمكن أن يكون قويًا من دون أطر قادرة على التواصل مع الناس، والعمل النقابي يحتاج إلى تمثيل حقيقي يدافع عن مصالح الفئات التي يمثلها، والاستحقاق الانتخابي يحتاج إلى أطر تنظيمية فاعلة تحفظ المشاركة وتوسعها، وتمنح القواعد دورها الطبيعي في اختيار ممثليها والتعبير عن إرادتها.
كما أن استقلالية المكاتب الحركية لا تعني الانفصال عن الأطر القيادية أو العمل خارج الرؤية التنظيمية، وإنما تعني أن تعمل ضمن النظام واللوائح والأهداف العامة للحركة، بعيدًا عن الشخصنة والتدخلات التي قد تضعف دورها أو تحوّلها من أطر تخدم القواعد إلى أدوات تخدم مصالح ضيقة.
إن إعادة الاعتبار للمكاتب الحركية تعني، في جوهرها، إعادة الاعتبار للقاعدة التنظيمية نفسها؛ فالقاعدة ليست مجرد جمهور يُستدعى عند الحاجة، وإنما شريك في صناعة القرار، وصاحبة دور أصيل في حماية الحركة وتجديد أدواتها واستعادة حضورها بين الناس.
وكلما كانت المكاتب الحركية أكثر استقلالية وفاعلية وتمثيلًا، كان العمل الجماهيري أكثر قوة، والعمل النقابي أكثر حضورًا، والاستحقاق الانتخابي أكثر نزاهة وفاعلية. فالمكتب الحركي الناجح هو الذي يفتح أبوابه للناس، ويستمع إلى قواعده، ويستند إلى الكفاءة، ويقيس نجاحه بما يقدمه لا بما يملكه من نفوذ.
إن قوة الحركة لا تُقاس بعدد أطرها، بل بقدرة هذه الأطر على الوصول إلى قواعدها وتمثيلها والتعبير عن مصالحها. والمكاتب الحركية، حين تكون لجانًا رئيسية مستقلة وفاعلة، تصبح جسرًا حقيقيًا بين القيادة والقواعد، وبين الحركة وجمهورها.
فاستعادة قوة الحركة تبدأ من إعادة الاعتبار لقواعدها، وإعادة الاعتبار للقواعد تبدأ من وضع المكاتب الحركية في موقعها الطبيعي: لجانًا رئيسية مستقلة، حاضرة في صلب العمل التنظيمي، وقادرة على التصدي للاستحقاقات الجماهيرية والنقابية والانتخابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com