ولدت لأعيش …!.. بقلم د. عبدالرحيم جاموس

وُلدتُ لأعيش..
لم آتِ إلى هذا العالم وفي يدي سيف،
ولا في قلبي رغبة في الدم.
جئتُ بقلب صغير يبحث عن يدٍ تمسكه، وعينين تريدان أن تريا الضوء،
وروح لم تعرف من الحياة إلا أنها تستحق أن تُعاش.
وُلدتُ لأعيش…
لا لأقتل أو أُقتَل.
لا لأكون ظلاً للموت، ولا رقماً في قائمة الضحايا،
ولا اسماً يُكتب على حجر ثم يمضي العابرون.
وُلدتُ لأحب الحياة ما استطعت إليها سبيلاً؛ أن أتنفس صباحاتها، وأمشي في طرقاتها، وأفرح بما تمنحني من لحظات،
وأن أترك خلفي أثراً يشبه الحياة،
لا أثراً يشبه الخراب. قد تأخذنا الأيام إلى ما لم نختر،
وقد تضعنا الظروف وجهاً لوجه أمام الموت،
لكنني أؤمن أن مواجهة الموت ليست حباً له،
وأن الدفاع عن الحياة ليس دعوة إلى قتل الحياة في الآخرين. الإنسان لا يصبح إنساناً حين ينتصر على إنسان،
بل حين ينتصر على الكراهية التي تحاول أن تسكنه.
أريد أن أعيش…
أن أحب وأن أُحَب،
أن أزرع شجرةً وأراها تكبر،
أن أرى طفلاً يكبر بلا خوف،
وأماً تنتظر أبناءها عند المساء وهي مطمئنة إلى أنهم سيعودون. أريد وطناً لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يقتل كي يُسمَع،
ولا إلى أن يموت كي يُثبت أنه كان يحب الحياة.
أريد أن أترك وراءي كلمةً طيبة،
ويداً امتدت لتساعد، وقلباً لم يتعلم القسوة حتى في زمن القسوة. لأن الحياة التي نطلبها لأنفسنا لا تكتمل إلا حين نعترف بحق الآخرين فيها.
وحين أقول وُلدت لأعيش،
فإنني لا أقولها لنفسي وحدي؛
أقولها لكل طفل لم يختر الحرب،
ولكل أم تخاف أن تفقد أبناءها،
ولكل إنسان أنهكه الخوف وما زال يحلم بصباح آمن.
وُلدنا لنعيش، لا لنكون وقوداً لحروب الآخرين، ولا أدوات في أيدي الكراهية،
ولا أسرى لماضٍ يعيد إنتاج الموت.
وُلدنا لنصنع من أعمارنا ما يستحق أن يُروى،
ومن قلوبنا مكاناً يتسع للآخر،
ومن هذا العالم بيتاً لا مقبرة.
وُلدتُ لأعيش… وسأمضي ما استطعتُ إلى الحياة سبيلاً.
فإذا كان لا بد أن أترك أثراً،
فلن يكون أثراً للدم،
بل أثراً للحب،
ولا صدى للموت،
بل شاهداً على أنني مررت من هنا… إنساناً، وأحببتُ الحياة.
د. عبد الرحيم جاموس
26/9/2026 م

طاب صباحكم 🌺

تقف هذه المقطوعة الوجدانية للدكتور عبد الرحيم جاموس عند واحدة من أنبل القضايا الإنسانية وأشدّها إلحاحاً إذ يصوغ من خلالها بيانًا وجوديًا وانحيازًا مطلقًا لقيمة “الحياة” في مواجهة ثقافة المحو والإلغاء.

اليكم قراءة تحليلية بقلم:
د. عادل جوده- من العراق.

🌐المقدمة: 🌐

فلسفة الوجود والإحساس الفطري

يفتتح الكاتب نصَّه بقرارات وجودية حاسمة يُعلن فيها الفطرة الإنسانية الأولى: “وُلدتُ لأعيش”. النص ليس مجرد بوح ذاتي، بل هو صرخة إنسانية تُعيد الاعتبار للتكوين البكري للروح التي جاءت إلى العالم بلغة المحبة والسلام، خالصةً من نزعات السيطرة أو أدوات الدمار.
تتجلى في الفاتحة رؤية فلسفية ترى أن أصل الوجود قائم على النماء والاتصال لا الصراع والعدم.

🌐 أولاً:
ثنائية الحياة والموت وتفكيك مفهوم القوة

يُفكك الكاتب الفهم الخاطئ للقوة والشجاعة فالانتصار الحقيقي ليس في الغلبة المادية أو إلحاق الهزيمة بالآخر، بل في الانتصار على الكراهية التي تحاول استيطان الذات.
يرفض النص منطق تحويل الإنسان إلى مجرد “رقم في قائمة الضحايا” أو “وقود لحروب الآخرين”، مُشددًا على أن الدفاع عن الحق في الوجود لا يُبرر امتهان وجود الآخرين، بل يكتمل بالاعتراف الدائم بحق الجميع في الأمان.

🌐 ثانياً:
البُعد الإنساني والصور الشعورية

تتوهج النصّية بعبارات تحمل حمولة عاطفية ودلالية مكثفة تستحضر مشاهد الحياة اليومية البسيطة: الأم التي تنتظر أبناءها في المساء دون خوف، والطفل الذي ينمو بعيدًا عن الظل الثقيل للحروب، والشجرة التي تُغرس لتكبر. هذه الصور ليست مجرد ترف بلاغي، بل هي التجسيد العملي لـ “الأثر” الذي يطمح النص إلى تركه وهو أثر قائم على التعمير والتكافل، لا الخراب والشواهد الصامتة.

🌐 ثالثاً:
البناء اللغوي والإيقاع الدلالي

جاءت لغة النص متدفقة بأسلوب “السهل الممتنع” حيث اعتمد الكاتب على التكرار النفعي والتدرج النغمي لجملة “وُلدتُ لأعيش” و”ما استطعتُ إليها سبيلاً”، وهو تناصّ روحاني وإنساني شفاف مع إرادة الأمل. استخدم الكاتب الجمل القصيرة والمقابلات الضدية (الحياة/الخراب الحب/الدم، البيت/المقبرة) لإحداث توازن موسيقي يُلائم حرارة البوح ويُعمّق شحنة الإقناع الإنساني.

🌐 رابعاً:
البُعد الجمعي والوطن المنشود

يخرج النص من دائرة الذات الضيقة ليتسع للضمير الجمعي (وُلدنا لنعيش) فيتحدث باسم كل طفل وأم وكل إنسان أرهقته النزاعات.
يطرح النص مفهومًا ساميًا للوطن؛ فالوطن الحقيقي في نظر الكاتب هو الملاذ الذي لا يُطالب أبناءه بالقتال كي يُسمَع صوتهم، ولا بالرحيل كي تُثبت محبتهم له، بل هو البيئة التي تسع الجميع كبيتٍ يفيض بالسلام.

🌐الخاتمة: 🌐
الشاهد الأخير والنصر للإنسان

يختتم الدكتور عبد الرحيم جاموس نصّه بعهدٍ إنساني وثيق: ألا يترك خلفه إلا أثرًا للحب وشهادةً صادقة على المرور النبيل.
إنها قراءة تُؤكد أن الإنسانية ليست مجرد حالة نولد بها، بل هي خيارٌ يومي ونضالٌ أخلاقي نخوضه لنبقى أحياءً بالحب، بعيدًا عن أصداء الموت والكراهية.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com