حركة مرضى الأورام منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى السابع من أكتوبر 2026 … أريج خليل صافي

لا تُقرأ حركة مرضى الأورام في قطاع غزة بمعزل عن قسم خدمات المرضى خلال الفترة من السابع من أكتوبر 2023 إلى السابع من أكتوبر 2026؛ فهذا القسم يمثل إحدى الحلقات المؤسسية التي تنظم حركة المريض داخل المؤسسة الصحية، وتربط بين حاجته الطبية ومراحل حصوله على الخدمة. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة لدى مرضى الأورام، لأن علاجهم لا يقوم على خدمة منفردة، وإنما على مسار متصل يبدأ بالتشخيص ويمتد إلى تحديد البروتوكول، وبدء العلاج، وتوفير الدواء، وإجراء الفحوص، والمتابعة، وتقييم الاستجابة، ثم الانتقال إلى المرحلة العلاجية التالية في الوقت المحدد.
وقبل السابع من أكتوبر 2023، كان مريض الأورام يتحرك داخل المستشفى في مسار مؤسسي يبدأ من الاستقبال، ثم اختصاصي الأورام، ثم القسم، والفحوص والتشخيص، فالقرار الطبي، ثم العلاج والمتابعة. وكانت هذه الحركة تتخذ مسارًا رأسيًا تنتقل فيه المعلومات والقرارات بين المستويات الطبية والإدارية، ومسارًا أفقيًا يربط بين الأقسام والخدمات التي يحتاج إليها المريض في المرحلة نفسها. وكان قسم خدمات المرضى جزءًا من هذه المنظومة، يساعد على تنظيم حركة المريض ومتابعة احتياجاته وضمان انتقاله بين حلقات الخدمة.
لكن قيمة هذه الحركة لا تقاس بعدد المرضى الذين مروا عبر الأقسام، وإنما بقدرة المؤسسة على الحفاظ على استمرارية المسار العلاجي. فمريض الأورام لا يحتاج إلى تشخيص فقط، ولا إلى جرعة دوائية منفردة، وإنما يحتاج إلى بروتوكول متكامل تتتابع حلقاته في أوقات محددة. ولذلك فإن أي انقطاع في الدواء أو التشخيص أو الفحوص أو المتابعة أو القرار الطبي يمكن أن يتحول من مشكلة إدارية إلى انقطاع في العلاج نفسه.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تغير الواقع الذي يتحرك داخله مريض الأورام بصورة جذرية. فقد تراجعت قدرة المؤسسات الصحية على تقديم خدماتها بصورة منتظمة، وخرجت مؤسسات علاجية متخصصة من الخدمة، وتضررت سلاسل الإمداد الدوائي، وأصبحت خدمات التشخيص والمتابعة أكثر صعوبة. ولم يعد المريض يتحرك بالضرورة داخل المسار المؤسسي المتتابع الذي كان يبدأ بالتشخيص وينتهي بالمتابعة، وإنما أصبح المسار نفسه معرضًا للتوقف أو التأخير أو التغيير.
وقد مثّل خروج مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني عن الخدمة أحد التحولات التي أثرت بصورة مباشرة في المسار المؤسسي لمرضى الأورام، باعتباره أحد المواقع التي كانت تستقبل هذه الفئة وتوفر لها جانبًا من الخدمات المتخصصة. ومع توقف المستشفى عن أداء دوره، لم يقتصر الأمر على فقدان موقع علاجي واحد، وإنما امتد إلى إعادة توزيع المرضى على نقاط ومواقع طبية أخرى، بما فرض على المريض الانتقال بين بيئات علاجية تختلف في قدراتها وإمكاناتها ومدى قدرتها على توفير حلقات البروتوكول العلاجي بصورة متكاملة. وبذلك أصبح فقدان المؤسسة المتخصصة جزءًا من المشكلة المؤسسية التي تؤثر في انتظام رحلة المريض العلاجية، ولا سيما عندما تكون البدائل المتاحة غير مهيأة لتقديم المسار العلاجي الكامل لمرضى الأورام.
كما أدى خروج مستشفى غزة الأوروبي عن الخدمة إلى زيادة الضغط على ما تبقى من المؤسسات والنقاط الطبية التي أصبحت تستقبل مرضى الأورام في ظروف استثنائية. فالمشكلة هنا لا تتمثل فقط في انتقال المريض من مستشفى إلى آخر، وإنما في انتقال خدمة علاجية متخصصة إلى نقاط طبية قد لا تتوافر فيها جميع عناصر الرعاية اللازمة لاستمرار البروتوكول، من تشخيص وفحوص ومتابعة ودواء وقرار طبي وتنسيق للإحالة. ومع تراجع قدرة المؤسسات المتخصصة على أداء وظائفها، أصبح توزيع مرضى الأورام على نقاط طبية متعددة واقعًا يفرض نفسه على حركة المرضى، ويجعل استمرار العلاج مرتبطًا بقدرة كل نقطة على توفير الحلقة التي تسبقها والحلقة التي تليها، وهو ما يزيد احتمالية ظهور فجوات في المسار العلاجي.
وهنا يتحول السؤال من حركة المريض داخل المؤسسة إلى استمرارية العلاج داخل هذه الحركة. فإذا تأخر الفحص، تأخر القرار؛ وإذا تأخر القرار، تأخر العلاج؛ وإذا لم يتوافر الدواء، انقطع البروتوكول؛ وإذا غابت المتابعة، أصبح من الصعب معرفة استجابة المريض للعلاج أو تحديد الخطوة التالية. وهكذا لا يكون الانقطاع حدثًا واحدًا، وإنما سلسلة من الانقطاعات الصغيرة التي تتراكم حتى تصل إلى النتيجة الأخطر: عدم استكمال البروتوكول العلاجي.
ولهذا فإن قراءة واقع مرضى الأورام خلال الفترة من 2023 إلى 2026 تحتاج إلى بناء مؤشرات أداء تنطلق من داخل المؤسسة الصحية، من أهمها: مؤشر استمرارية البروتوكول العلاجي، مؤشر توافر العلاج الدوائي، مؤشر انتظام الفحوص والمتابعة، مؤشر زمن الانتقال بين مراحل العلاج، ومؤشر الحالات التي لم تتمكن من استكمال الخطة العلاجية المحددة لها.
ويأتي مؤشر الزمن العلاجي المفقود في مقدمة هذه المؤشرات؛ لأن الوقت في علاج الأورام ليس مجرد متغير إداري. فالفترة التي تمر بين موعد الجرعة وموعد الحصول عليها، أو بين الفحص والقرار الطبي، أو بين مرحلة علاجية وأخرى، تمثل جزءًا من المسار العلاجي نفسه. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح من الضروري البحث عن الحلقة المؤسسية التي أدت إلى هذا التأخير.
ومن هنا يصبح السؤال الإداري الأهم خلال السنوات الثلاث ليس: كم مريضًا تحرك؟ وإنما: كم مريضًا لم يستكمل بروتوكول علاجه؟ وكم مريضًا انقطع عنه العلاج؟ وكم مريضًا فقد حقه في الحصول على العلاج في الوقت الذي يحتاج إليه؟
هذه الأسئلة تنقل القضية من مجرد وصف للظروف الإنسانية إلى قياس لأداء المؤسسة الصحية. فالمريض الذي يدخل المستشفى ولا يحصل على التشخيص في الوقت المناسب يمثل مؤشرًا، والمريض الذي يبدأ بروتوكوله ثم ينقطع عنه يمثل مؤشرًا آخر، والمريض الذي تتوقف متابعته أو لا يحصل على الدواء أو الفحص المطلوب يمثل مؤشرًا إضافيًا. ومجموع هذه المؤشرات يكشف مستوى قدرة المؤسسة على المحافظة على الحق العلاجي للمريض.
وعليه، فإن قسم خدمات المرضى لا ينبغي النظر إليه باعتباره وظيفة إدارية منفصلة عن العلاج؛ فكلما اضطربت حركة المريض داخل المؤسسة، انعكس ذلك على انتظام البروتوكول، وكلما انقطعت حلقة من حلقات الخدمة، اتسعت احتمالية فقدان المريض لحقه في العلاج.
إن جوهر القضية خلال الفترة الممتدة من السابع من أكتوبر 2023 إلى السابع من أكتوبر 2026 لا يكمن في عدد المرضى الذين تحركوا، وإنما في عدد المرضى الذين توقفت حركتهم العلاجية قبل أن يكتمل هدفها. فالمعيار الحقيقي لأداء المؤسسة الصحية لا يتمثل في استقبال المريض أو تسجيله أو تشخيصه فقط، وإنما في قدرتها على إبقائه داخل مسار علاجي متصل حتى نهاية البروتوكول المحدد له.
ومن هنا يصبح مريض الأورام مؤشرًا حساسًا على سلامة المؤسسة الصحية نفسها؛ فإذا استمر البروتوكول، واستمر الدواء، واستمرت الفحوص والمتابعة، فإن المسار المؤسسي يعمل رغم صعوبة البيئة. أما إذا تكررت الانقطاعات، وتراكمت الفجوات، وفقد المرضى القدرة على استكمال علاجهم، فإن المشكلة تتجاوز حالة المريض الفردية لتصبح مؤشرًا على خلل في قدرة النظام الصحي على حماية الحق في العلاج.
وفي النهاية، لا يكون السؤال: كيف تحرك مريض الأورام؟ وإنما: هل ظل يتحرك داخل مساره العلاجي حتى نهايته؟
فهنا تكمن قيمة حركة المرضى؛ فهي ليست حركة جسدية داخل المستشفى، وإنما حركة علاجية تعكس قدرة المؤسسة على الانتقال بالمريض من مرحلة إلى أخرى دون أن يفقد حقه في العلاج. وإذا كان المريض قد بدأ بروتوكوله ثم لم يستطع استكماله، فإن السؤال الإداري لا ينتهي عند تسجيل حالة الانقطاع، بل يبدأ منه: أين انقطعت الحلقة، ولماذا، وكم مريضًا تحمل النتيجة نفسها؟
أريج خليل صافي



