بعد الستين.. ينزل نضال بربخ من قطار الوظيفة ويستقل قطار الأدب

بقلم: شريف الهركلي
لكل قطار محطة أخيرة، لكن بعض المسافرين حين يغادرون قطار الوظيفة لا يغادرون الحياة؛ إنهم يبدّلون العربة فقط. وهكذا كان المشهد مع نضال بربخ في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، حين توقّف قطار الوظيفة بعد 38 عامًا من العمل في بلدية خان يونس، لينزل من عربة الوظيفة ويستقل قطارًا آخر لا يبدو أن له محطة أخيرة: قطار الأدب والشعر.
بدأ بربخ رحلته في بلدية خان يونس عام 1988، وتنقّل بين أقسام ودوائر عدة، وكان من أبرز محطاته تسيير دائرة العلاقات العامة والإعلام، والعمل مسؤولًا إداريًا في دائرة الأشغال العامة والصيانة.
لكن بداية الرحلة لم تكن عادية؛ ففي سنوات شبابه دفع ثمن موقفه الوطني، فاعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي، وصدر بحقه عام 1988 حكم بالسجن لمدة خمس سنوات، وتكررت تجربة الاعتقال خلال تلك المرحلة. كانت سنوات ثقيلة، لكنها أضافت إلى شخصيته الوطنية والإنسانية ذاكرة لا تُمحى، ورسّخت لديه معنى الصمود والوفاء للناس.
وخلال مسيرته الطويلة، عاصر بربخ خمسة رؤساء لبلدية خان يونس، لكنه لم يكن مجرد موظف يؤدي ساعات الدوام وينتظر نهاية الشهر؛ فقد حمل معه روح المبادرة. وفي عام 1997 أسهم في تأسيس الأنشطة المجتمعية في البلدية، لتتجاوز المؤسسة مفهوم الخدمات اليومية، كالمياه والكهرباء والنظافة، إلى الاهتمام بالإنسان من خلال الثقافة والتربية والأدب والترفيه والرياضة والمجتمع.

ثم جاءت محطة أخرى أكثر قربًا من قلبه؛ ففي عام 2018 أسس المنتدى الأدبي «نبع الإبداع»، ففتح مكانًا للكلمة، وجمع الشعراء، وحوّل الأدب إلى مساحة للقاء والحوار وصناعة الفرح.
وحين وصل قطار الوظيفة إلى محطته الأخيرة، لم يكن وداع نضال بربخ مجرد مراسم تقاعد. امتلأ المنتدى بقصائد الشعراء، من سالم إلى روز ومصلح وغيرهم، وقدّم شعراء المنتدى درعًا تكريميًا له، كما قدمت بلدية خان يونس درعًا تقديرًا لمسيرته.
والأجمل أن بربخ لم ينتظر قصائد الوداع، بل ودّع زملاءه بقصيدة، فكان الرد قصائد ومشاعر، وعزفًا على ربابة الحروف والكلمات، حتى خرجت من بين الشعراء تلك العبارة المحبة: «في كل عام بعد التقاعد بتنقص من عمرك يا نضال عام».
لكن نضال بربخ لم يترك خلفه وظيفة فقط؛ ترك إنسانًا أحب الناس، وزميلًا حفظ الود، ومبادرًا فتح الأبواب للثقافة، وشاعرًا آمن بأن الكلمة يمكن أن تجمع ما تفرقه الأيام.
اليوم، يغادر نضال قطار الوظيفة، لكنه يحمل معه وجوه زملائه، وذاكرة المكان، وتجارب السنين، ودفء الأصدقاء. يفتح صفحة جديدة، لا ليبدأ من الصفر، بل ليكتب من رصيد عمر كامل.
فالتقاعد قد يُنهي علاقة الموظف بالمكتب، لكنه لا يُنهي علاقة الإنسان بالناس. وقد تتوقف ساعة الدوام، لكن ساعة القلب لا تتوقف؛ وما دام في نضال بربخ قلب ينبض، وقلم يكتب، وروح تحب، فإن قطار الأدب سيواصل رحلته، وستظل محطاته مفتوحة للشعر والإنسان والحياة.



