حتى حين يكونون على صواب

بقلم د. عبدالرحيم جاموس

ربِّوا أبناءكم على الصواب،
وعلِّموهم أن يخطئوا بلا خوف،
وأن يعتذروا بلا صَغار،
وأن يمضوا في الحياة
بقلوبٍ تعرف الحق،
ولا تستعير شجاعتها من أحد.

لا تعاقبوهم على كل زلّة،
ولا تزرعوا في أرواحهم الخوف من الطريق.

فالحياة، يا أحبّة،
لها سوطٌ لا يخطئ،
ولا تسأل دائماً:
من كان على حق؟

قد تعاقب ابنك وهو مخطئ،
وقد تعاقبه وهو على صواب؛
فالعالم ليس محكمةً عادلةً دائماً،
والحياة لا تمنح البراءة
لمن يستحقها فقط.

علِّموهم أن يكونوا أقوياء دون قسوة،
طيبين دون ضعف،
أحراراً دون غرور،
وأن يحملوا حقيقتهم
حتى إذا وقفوا وحدهم
في آخر الصف.

فالذين نحبهم
لن نحميهم من الحياة
بأن نكسرهم قبل أن تكسرهم؛
بل بأن نمنحهم قلباً،
إذا صفعته الأيام لم يسقط،
وإذا ظلمته الحياة
لم يتحوّل إلى ظالم.

ربِّوا أبناءكم على أن يعرفوا الصواب،
لكن ربِّوهم أكثر
على أن يحتملوا ثمنه؛
فالحياة قد تعاقبهم
حتى وهم على صواب.

د. عبد الرحيم جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
الرياض — الأحد، 4 أكتوبر 2026

طاب مساءكم 🌺

تجسّد هذه المقطوعة الفكرية والتربوية للكاتب والدكتور عبد الرحيم جاموس رؤيةً إنسانية عميقة تتجاوز أساليب التنشئة التقليدية، لتلتقط جوهر المعادلة التربوية في مواجهة تقلبات الواقع وقسوة الحياة.

📝فيما يلي قراءة أدبية مركزة في نص «حتى حين يكونون على صواب»:


بقلم:- د. عادل جوده – من العراق.

🌐 المقدمة
تنساب كلمات الدكتور عبد الرحيم جاموس في هذا النص بلغةٍ شفافة تحمل في طياتها حكمة المجرّب ورؤية المفكر المستنير.
لا يقدم النص مجرد نصائح تربوية عابرة، بل يصوغ “فلسفة للصلابة النفسية” والأخلاقية، مرتقياً بالتربية من إطار التوجيه المباشر إلى أفق الإعداد الوجداني لمواجهة عالمٍ لا يتسم بالعدالة المطلقة دائماً.
🌐 أولاً:
البناء اللغوي والنبرة الأبوية الحانية
جاء التعبير الإنشائي بوساطة أفعال الأمر (ربّوا، علّموهم، لا تعاقبوهم) محمولاً على نبرةٍ دافئة تجمع بين الحنو والمسؤولية. استخدم الكاتب مفردات متقابلة توازن بين الشدة واللين (أقوياء/دون قسوة، طيبين/دون ضعف، أحراراً/دون غرور)، مما أضفى على النص إيقاعاً متوازناً يعكس مفهوم الاعتدال والرشادة التربوية.
🌐 ثانياً:
فلسفة الخطأ والعدالة الغائبة
يتجلى العمق الفكري في تفكيك الكاتب لمفهوم “المكافأة والعقاب”؛ فالحياة في نظر النص ليست محكمة عادلة تُكافئ المحق وتُعاقب المخطئ دوماً.
من هنا يأتي التوجيه الذكي بألا نزرع في الأبناء الخوف من زلل الطريق، بل أن نغرس فيهم شجاعة الاعتذار وامتلاك الحق، حتى لو فرضت الحياة قسوتها وجارت أحكامها على المظلومين.
🌐 ثالثاً:
الصور البيانية وإيقاع الشجن
ازدان النص بصورٍ بلاغية دالة ومؤثرة؛ فالحياة لها «سوطٌ لا يخطئ»، والأيام «تصفع»، والحماية الحقيقية لا تكون بـ «كسر الأبناء قبل أن تكسرهم الحياة».
هذه الاستعارات المجازية تعكس واقعية التحديات وتؤكد أن الحصانة الحقيقية تبدأ من بناء قلبٍ صلبٍ لا ينهار أمام الهزات ولا يستحيل قاسياً أو ظالماً حين يتعرض للظلم.
🌐 رابعاً:
الثبات على القيمة وتحمل الثمن
يرتقي النص في خاتمته إلى ذروة التوجيه الأخلاقي.. إذ لا يكفي أن نعرف الصواب، بل لا بد من امتلاك الشجاعة النفسية لتحمّل تبعاته. إن الثبات على الحق —حتى لو وقف المرء «وحده في آخر الصف»— هو أسمى صور الحرية والكرامة الإنسانية التي ينبغي أن يُورّثها الآباء للأبناء.
يقدم الدكتور عبد الرحيم جاموس في هذه السطور نصاً مكثفاً يلامس الوجدان ويوقظ الضمير التربوي.
إنه بيان إنساني بديع يذكرنا بأن أعظم ما نمنحه للأبناء ليس حمايتهم من مجريات الحياة، بل بناء أرواحٍ حرة وقوية تستشعر الحق وتصمد أمامه، مهما كانت الأثمام والتبعات.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com