النشطاء والقصص الفلسطينية.. نضال احمد جابر جودة

يتناقل كثير من النشطاء ما تنشره الصحافة الإسرائيلية، إلى جانب قصص يرويها بعض الساسة الفلسطينيين ممن يمتلكون براعة واضحة في الأداء الروائي وصياغة الحكايات، حتى باتت بعض الروايات تُتداول وكأنها حقائق مكتملة. ومن وجهة نظري، فإن المشكلة لا تكمن في الرواية ذاتها، ولا في هوية من يرويها، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها، وكأن إدارة الدول، وإجراء التحقيقات، واستخلاص النتائج، يمكن أن تتم من خلال القصص والحكايات.
ما يلفت الانتباه أن القصة قد تبدأ من مسؤول فلسطيني، ثم تظهر بصياغة مختلفة في الصحافة الإسرائيلية، وقد يحدث العكس أيضًا؛ تتغير التفاصيل وطريقة السرد، لكن النتيجة التي يراد الوصول إليها تبقى واحدة. ثم تنتقل الرواية من صحيفة إلى أخرى، ومن حساب إلى آخر، حتى تتحول كثرة تداولها إلى ما يشبه الحقيقة في الوعي العام.
لكن الدولة لا تُدار بهذه الطريقة.
النظام العام، سواء كان في دولة قوية أو ضعيفة، منتجة أو مستهلكة، غنية أو فقيرة، يقوم على معايير وخطوات وسلوك وأداء ونتائج. هناك صلاحيات ومسؤوليات ووثائق ومحاضر وتقارير وقرارات وآليات متابعة، ثم نتائج يمكن قياسها ومراجعتها.
فإذا قيل إن جهة ما كانت تعلم بحدث قبل وقوعه، فالسؤال المؤسسي ليس: من روى القصة؟ وإنما: متى وصلت المعلومة؟ ومن استلمها؟ وكيف سُجلت؟ ومن كانت لديه الصلاحية؟ وما الإجراء الذي اتُخذ؟ وإذا لم يُتخذ إجراء، فلماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
وإذا قيل إن صفقة كانت جاهزة، أو إن رسالة تحذيرية وصلت، أو إن مسؤولًا حذر مسؤولًا آخر، فإن هذه ليست نهاية التحقيق، بل بدايته؛ لأن كل معلومة من هذا النوع تحتاج إلى وثيقة أو سجل أو شهادة قابلة للتحقق، وإلى تسلسل يوضح كيف انتقلت المعلومة وكيف صُنِع القرار بناءً عليها.
وهنا تكمن خطورة الذاكرة السياسية عندما تتحول إلى حكاية شعبية. فبعد وقوع الأحداث الكبرى، يصبح من السهل إعادة ترتيب الوقائع بطريقة تجعل كل شيء يبدو واضحًا بأثر رجعي: كان هناك تحذير، وكان هناك قرار، وكان هناك رفض، ثم وقعت النتيجة. لكن العمل المؤسسي لا يسأل فقط ماذا حدث، وإنما ماذا كان متاحًا لصانع القرار في اللحظة التي كان عليه أن يتخذ فيها القرار؟
لذلك لا ينبغي أن نرفض الرواية لأنها إسرائيلية، ولا نقبلها لأنها فلسطينية، ولا نفعل العكس. المعيار يجب أن يكون واحدًا: الدليل، والوثيقة، والتسلسل الإجرائي، والشهادة القابلة للتحقق، ونتائج التحقيق.
فالصحافة تكشف وتطرح الأسئلة، والسياسي يقدم موقفًا أو رواية، والناشط ينقل ويعلق، أما التحقيق المؤسسي فوظيفته جمع الأدلة واختبارها وتحديد الوقائع والمسؤوليات.
وفي النهاية، لا تُدار الدول بالحكايات، ولا تُقاس المؤسسات بقدرتها على رواية قصة مقنعة. الدولة تُقاس بقدرتها على وضع المعايير، واتخاذ القرار، وتوثيق الإجراءات، ومتابعة الأداء، ومحاسبة المسؤول، وتصحيح الخطأ، واستخلاص الدروس.
أما القصص، مهما كانت براعة من يرويها، فتبقى قصصًا إلى أن تتحول إلى وقائع موثقة يمكن فحصها ومساءلة أصحاب القرار عنها.
نضال احمد جابر جودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com