اتفاقيات أبراهام بعد السابع من أكتوبر: أي تغييرٍ للمنطقة، وأي سلامٍ يتجاوز فلسطين؟

بقلم ؛ د. عبد الرحيم جاموس

لم تعد اتفاقيات أبراهام، بعد مرور سنوات على توقيعها، قابلة للتقييم بالاستناد إلى الوعود السياسية والاقتصادية والأمنية التي رافقت الإعلان عنها فحسب، ولا إلى ما رُوّج لها باعتبارها مدخلاً لإعادة تشكيل المنطقة وفتح مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية. فقد فرضت التطورات اللاحقة، ولا سيما ما شهدته الأراضي الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر 2023، ضرورة إعادة النظر في مضمون هذه الاتفاقيات وغاياتها ونتائجها، وفي مدى قدرتها على تحقيق سلام حقيقي وعادل ومستدام في المنطقة.

لقد أُعلنت اتفاقيات أبراهام في عام 2020 باعتبارها تحولاً في العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وانطلقت من مقاربة تقوم على إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية وتكنولوجية، وتوسيع مجالات التعاون والتنسيق الإقليمي. وقد قُدّمت هذه المقاربة باعتبارها مدخلاً لتحقيق الاستقرار والتنمية والازدهار، وإعادة ترتيب العلاقات في الشرق الأوسط على أسس جديدة. غير أن الإشكالية الجوهرية في هذه المقاربة تمثلت منذ البداية في فصل مسار التطبيع عن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، وعن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية والقانونية.

فبدلاً من أن يكون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، مدخلاً أساسياً لأي تسوية إقليمية، جرى التعامل مع التطبيع باعتباره مساراً يمكن أن يتقدم بصورة مستقلة عن حل القضية الفلسطينية. وهنا يكمن الخلل الاستراتيجي في فلسفة هذه الاتفاقيات؛ إذ أصبح ممكناً توسيع العلاقات مع إسرائيل، وفتح أبواب التعاون معها في مختلف المجالات، من دون إلزامها بإنهاء احتلالها أو وقف الاستيطان أو الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

وفي هذا السياق تكتسب تصريحات علي النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، أمام أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، أهمية سياسية خاصة. فقد جرى تداول تصريح منسوب إليه يفيد بأن اتفاقيات أبراهام ليست اتفاقيات سياسية أو أمنية تخص البلدين فحسب، وإنما هي اتفاقيات لتغيير المنطقة بأكملها، وأن هناك استعداداً لقيادة المعارك من أجل فرض هذا التغيير. وبصرف النظر عن ضرورة ضبط النص الحرفي للتصريح في سياقه الأصلي، فإن المضمون المتداول يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشروع الإقليمي المقصود، وأهدافه، وحدود الدور الذي يُراد لهذه الاتفاقيات أن تؤديه في إعادة تشكيل المنطقة.

إن الحديث عن تغيير المنطقة ليس أمراً مرفوضاً في ذاته؛ فالمنطقة العربية بحاجة إلى إصلاحات وتنمية وتكامل اقتصادي وأمني وسياسي، وإلى تجاوز الصراعات والانقسامات وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. لكن السؤال الأساسي هو: أي تغيير يُراد تحقيقه؟ ومن يحدد اتجاهاته وأولوياته؟ وهل يقوم على احترام حقوق الشعوب وسيادة الدول، أم على إعادة توزيع النفوذ والمصالح والتحالفات بما يخدم أطرافاً بعينها؟ والأهم من ذلك كله: أين تقع فلسطين وحقوق شعبها في هذا المشروع؟

لقد جاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة لتضع هذه الأسئلة أمام اختبار تاريخي وسياسي وأخلاقي غير مسبوق. فقد شهد القطاع عمليات عسكرية مدمرة، وقتلاً واسع النطاق للمدنيين، وتدميراً للمنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية، وحصاراً خانقاً وقيوداً شديدة على دخول الغذاء والماء والدواء والوقود، فضلاً عن النزوح والتهجير المتكرر لمئات الآلاف من الفلسطينيين. وأصبحت حياة السكان ووجودهم الإنساني والاجتماعي في مواجهة كارثة غير مسبوقة في العصر الحديث.

وقد أثارت هذه الممارسات اتهامات دولية خطيرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأفعال إبادة جماعية، وهي اتهامات تناولتها مؤسسات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية، التي أصدرت تدابير مؤقتة في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. ولا يجوز في هذا السياق الخلط بين التدابير المؤقتة والأحكام النهائية، لكن خطورة الوقائع والادعاءات التي تنظر فيها المحكمة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.

ولم تتوقف الممارسات الإسرائيلية عند قطاع غزة، بل تواصلت في الضفة الغربية والقدس الشرقية من خلال تصاعد العمليات العسكرية والاقتحامات والاعتقالات والقتل، وتوسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، وفرض القيود على حركة الفلسطينيين، وتهديد التجمعات السكانية بالإخلاء والتهجير. وتكشف هذه السياسات عن استمرار مشروع السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتكريس واقع الاحتلال، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة.

والأخطر أن هذه الممارسات تتزامن مع مواقف سياسية إسرائيلية معلنة ترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة، وتتمسك بالسيطرة الأمنية والسياسية على الأراضي الفلسطينية، وتعمل على تكريس الاستيطان باعتباره واقعاً دائماً. وهذا ليس مجرد خلاف حول حدود الدولة الفلسطينية أو ترتيباتها الأمنية، بل هو إنكار لحق الشعب الفلسطيني نفسه في تقرير مصيره، ورفض للاعتراف به طرفاً وطنياً وسياسياً يمتلك حقوقاً ثابتة لا يجوز لأي اتفاق أو تفاهم إقليمي أن ينتقص منها.

وهنا يظهر التناقض الأساسي بين الخطاب الذي يروّج لاتفاقيات أبراهام باعتبارها مشروعاً لتغيير المنطقة وصناعة مستقبل جديد لها، وبين واقع سياسي إسرائيلي يرفض الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ويواصل الاحتلال والاستيطان، ويمارس سياسات عسكرية وأمنية تهدد الوجود الفلسطيني على أرضه.

فكيف يمكن الحديث عن سلام إقليمي بينما تستمر الحرب والحصار والتجويع والتهجير؟ وكيف يمكن بناء منظومة تعاون واستقرار مع طرف يرفض الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة؟ وأي معنى للتغيير الإيجابي إذا كان يؤدي إلى دمج إسرائيل في المنطقة وتوسيع علاقاتها ومصالحها، من دون أن يقترن ذلك بإنهاء احتلالها للأرض الفلسطينية والعربية، ووقف سياساتها العدوانية، واحترام حقوق الشعب الفلسطيني؟

إن المشكلة هنا ليست في إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية بين الدول، فالعلاقات الدولية تقوم بطبيعتها على المصالح المتبادلة، وليس من الضروري أن تكون العلاقات بين الدول متطابقة في جميع المواقف. لكن هذه العلاقات لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء سياسي يمنح الاحتلال شرعية الأمر الواقع، أو إلى وسيلة لتجاوز القضية الفلسطينية وإقصائها من الحسابات الإقليمية، أو إلى مدخل لتطبيع واقع استعماري يتناقض مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين مواقف الدول الموقعة على الاتفاقيات؛ فلكل دولة حساباتها ومصالحها وأولوياتها، ولا يصح وضع جميع الأطراف في سلة واحدة أو افتراض تطابق سياساتها تجاه الحرب والقضية الفلسطينية. كما أن استمرار الاتفاقيات لا يعني بالضرورة تبني جميع الممارسات الإسرائيلية أو الموافقة عليها. غير أن استمرار التعاون السياسي والاقتصادي والأمني من دون مراجعة جدية لشروطه وحدوده، ومن دون ربطه بإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى فاعلية المواقف العربية في التأثير على السياسات الإسرائيلية، وحول الكلفة السياسية والأخلاقية المترتبة على الفصل بين التطبيع والسلام العادل.

لقد كشفت الحرب على غزة أن توسيع العلاقات الإقليمية مع إسرائيل لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار، وأن المصالح الاقتصادية والتفاهمات الأمنية لا تستطيع أن تحل محل التسوية السياسية العادلة، ولا أن تلغي جذور الصراع. فالاستقرار الذي يقوم على استمرار الاحتلال، وتجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وترك ملايين الفلسطينيين تحت وطأة السيطرة العسكرية والحرمان من الحرية والسيادة، هو استقرار هش ومؤقت، مهما أحاطت به من اتفاقيات وتحالفات ومشروعات اقتصادية.

ومن هنا فإن استمرار اتفاقيات أبراهام بصيغتها القائمة، من دون مراجعة سياسية جادة لما أفرزته الحرب الإسرائيلية وما تكشف من مواقف رافضة للدولة الفلسطينية، يطرح إشكالية تتجاوز العلاقات الثنائية إلى مستقبل النظام الإقليمي العربي برمته. فهل المطلوب بناء شرق أوسط جديد تتصدر فيه إسرائيل منظومة العلاقات الإقليمية، بينما تبقى فلسطين خارج معادلة الحل؟ وهل يمكن إقامة شراكة إقليمية مستقرة على أساس تجاهل الحقوق الوطنية لشعب واقع تحت الاحتلال؟ وهل يُراد من العرب التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً على مشروع التنمية والتعاون، بدلاً من اعتبار إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل شرطاً ضرورياً لاستقرار المنطقة؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف دولة عربية بعينها، ولا تنطلق من رفض مبدئي للعلاقات الإقليمية أو التعاون الدولي، وإنما تعبر عن ضرورة إخضاع أي مشروع سياسي لمعيار واضح: مدى احترامه لحقوق الشعوب، والتزامه بالقانون الدولي، وإسهامه في إنهاء الصراعات بدلاً من إدارة نتائجها أو تكريس أسبابها.

لقد ظلت المبادرة العربية للسلام، التي أقرتها قمة بيروت عام 2002، تقدم إطاراً سياسياً عربياً واضحاً يقوم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية، مقابل إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل. كما أكدت قرارات الأمم المتحدة، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، أن استمرار الاحتلال وسياسات الضم والاستيطان تتعارض مع القانون الدولي، وأن للشعب الفلسطيني حقاً أصيلاً في تقرير المصير.

وهذا الإطار العربي والقانوني لا ينبغي تجاوزه أو استبداله بترتيبات إقليمية لا تتناول جوهر القضية. فالتطبيع الذي يسبق السلام العادل ويستغني عن شروطه الأساسية يفقد معناه السياسي بوصفه أداة لإنهاء الصراع، ويتحول إلى علاقة مصالح منفصلة عن متطلبات العدالة والاستقرار.

إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة أو التعبير عن القلق إزاء ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وإنما إعادة تقييم شاملة للسياسات والاتفاقيات الإقليمية، وتحديد ما يمكن أن تؤديه العلاقات القائمة من دور في الضغط من أجل وقف العدوان، ورفع الحصار، وإدخال المساعدات الإنسانية، ووقف الاستيطان والتهجير، والالتزام بالقانون الدولي، والانتقال إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال بصورة كاملة.

كما أن المطلوب عربياً هو استعادة مركزية القضية الفلسطينية في العمل السياسي والدبلوماسي العربي، وتوحيد الموقف تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتعزيز وحدة المؤسسات الوطنية الفلسطينية، بما يضمن استعادة المشروع الوطني لفاعليته السياسية، ويحول دون فرض ترتيبات انتقاصية على الشعب الفلسطيني أو إنشاء كيانات بديلة عن إرادته الوطنية.

إن الشعب الفلسطيني لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا يسعى إلى تعطيل مصالح شعوب المنطقة أو منعها من التقدم والتنمية، وإنما يطالب بحقوقه الطبيعية والمشروعة: حقه في الحياة والحرية والكرامة، وحقه في البقاء على أرض وطنه، وحقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية.

ومن المهم أن تدرك جميع الأطراف الإقليمية والدولية أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف إنساني يمكن التعامل معه من خلال المساعدات والإغاثة وإعادة الإعمار، ولا قضية أمنية يمكن احتواؤها بترتيبات مؤقتة، بل هي قضية شعب يسعى إلى التحرر الوطني وإنهاء الاحتلال واستعادة حقوقه السياسية والتاريخية والقانونية.

إن اتفاقيات أبراهام تقف اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقية الأهداف التي رُوّج لها عند توقيعها. فإذا كان المقصود منها بناء منطقة أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً، فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق بتجاهل فلسطين، أو بتوفير الغطاء لاستمرار الاحتلال، أو بالتعامل مع رفض الحقوق الوطنية الفلسطينية باعتباره أمراً يمكن تجاوزه في سبيل المصالح الاقتصادية والأمنية.

أما إذا كان المقصود تغيير موازين المنطقة وإعادة ترتيب تحالفاتها ونفوذها من دون معالجة جذور الصراع، فإن هذا التغيير لن ينتج سلاماً عادلاً، ولن يضمن استقراراً مستداماً، بل سيبقي أسباب التوتر قائمة، ويعمق فجوة الثقة بين الشعوب ومشروعات التعاون الإقليمي.

إن مستقبل المنطقة لا يُبنى بإقصاء فلسطين، ولا بإعادة تعريف السلام بما يتوافق مع استمرار الاحتلال، ولا بإدماج إسرائيل في منظومة إقليمية تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني. فالسلام ليس مجرد توقيع اتفاقيات، والتطبيع ليس بديلاً عن إنهاء الاحتلال، والتغيير الحقيقي ليس إعادة توزيع المصالح والنفوذ بين الدول، وإنما بناء علاقات إقليمية على أساس العدالة والاحترام المتبادل وسيادة الدول وحقوق الشعوب.

*فلسطين ليست عقبة أمام مستقبل المنطقة، وإنما إنصاف شعبها وإنهاء الاحتلال عن أرضها هما من أهم شروط بناء ذلك المستقبل. وأي مشروع إقليمي لا يضع هذه الحقيقة في صلب أولوياته سيظل مشروعاً منقوصاً، مهما اتسعت اتفاقياته وتعددت تحالفاته وتعاظمت مصالحه.*

د. عبد الرحيم جاموس
30/10/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com