نبض الحياة.. المؤتمر الثامن على مفترق طرق.. عمر حلمي الغول

مؤتمرات الأحزاب والتنظيمات والحركات تعتبر محطة هامة وعرسا لديمقراطية الأحزاب في مسيرة وسيرورة كل منها، كونها تناقش الملفات السياسية والتنظيمية والنقابية والإدارية والمالية، وصولا لانتخاب الهيئات المركزية لهذا الحزب أو ذلك الفصيل او الحركة، وتشتق جميع القوى في مؤتمراتها رؤيتها البرنامجية المستقبلية، من خلال استخلاص الدروس والعبر من تجربتها الفاصلة بين مؤتمرين، واستشراف أعضاء المؤتمر من الأجيال كافة القديمة والجديدة للحلقات المركزية والثانوية واشتقاق اليات العمل المناسبة لبلوغ الأهداف في الحقول المختلفة، وبالتكامل ما بين السياسي والتنظيمي والنقابي والنضالي لدى الأحزاب والحركات التي تواجه أعداءً على المستوى الوطني والقومي، أو الاجتماعي في الدول والشعوب التي تواجه أنظمة استبدادية وديكتاتورية. في هذه اللحظة التاريخية من كفاح الشعب العربي الفلسطيني، تستعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، أكبر القوى السياسية الفلسطينية، وصاحبة الطلقة الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع عام 1965، والعمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب، لعقد مؤتمرها الثامن، حيث يفصل الحركة أقل من شهر لالتأمه، الذي يأتي انعقاده بعد عقد مفصلي في تاريخ الكفاح الوطني التحرري، وحيث يواجه الشعب كل الشعب الفلسطيني محطة استثنائية وعاصفة في تاريخ ومصير المشروع الوطني التحرري، وبعد 33 عاما من توقيع قيادة المنظمة على اتفاقيات أوسلو، التي أمست في خبر كان، نتيجة السياسات والانتهاكات وجرائم الحرب والابادة الإسرائيلية الوحشية، التي انتهجت مخططات ومشاريع استعمارية عن سابق تصميم وإصرار على تصفية تلك الاتفاقات، وكشفت عن وجه الدولة الإسرائيلية النازية، كما لم يكشف عنه في عقود الصراع الطويلة، وباتت تعلن على الملأ عن خيارها الاحلالي الاجلائي الكولونيالي لنفي الشعب الفلسطيني من ترابه الوطني عبر عملية تهجير قسري في ابشع عملية تطهير عرقي، تتجاوز في خطورتها جريمة التطهير العرقي في النكبة الأولى عام 1948، لتقيم دولة إسرائيل الكاملة على ارض فلسطين التاريخية. إذا المؤتمر الثامن يفترض ان لا تقتصر محاكمته السياسية للفترة الزمنية الفاصلة بين المؤتمرين السابع والثامن، التي أكملت عشر سنوات طوال، وانما على أعضاء المؤتمر مناقشة ومراجعة تجربة حركة فتح والمنظمة والشعب، كونها قائدة النضال الوطني، على مدار السنوات ال33 الماضية، ووضع الاصبع على الجراح الفلسطينية كافة، وتحديد المسؤوليات بدقة وشجاعة على الأخطاء والخطايا والنجاحات، وتشخيص طبيعة الصراع مع العدو الإسرائيلي، واشكال النضال المناسبة لمواجهة التحديات الأخطر في تاريخ الصراع، وكذلك مناقشة ومحاكاة انقلاب حركة حماس ودورها التخريبي طيلة ال 19 عاما الماضية، وانعكاساته على الشعب والقضية والمشروع الوطني، وحروب فرع الاخوان المسلمين في فلسطين الخمسة، وآخرها ما اسمته “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023، الذي شكل الذريعة للإبادة الجماعية، التي مازالت دائرة حتى الان في ارجاء الوطن الفلسطيني كله، وليس في قطاع غزة فقط. والعلاقة مع فصائل العمل الوطني في إطار منظمة التحرير، ومعالجة الشراكة الوطنية على أسس صحيحة، وتصويب أية نواقص شابتها في السنوات الماضية، وتصويب علاقة الحركة مع الحكومة ومؤسسات الدولة، والعلاقة مع الجاليات والمغتربات الفلسطينية، وتحديد أين أصابت؟ وأين أخطأت الحركة؟ والانقسامات التي تعتري الجاليات، ومن المسؤول عن ذلك؟ هل هي حركة حماس والفصائل الأخرى فقط، أم أن أعضاء الحركة كانوا جزءً من المسؤولية؟ وقراءة ومعالجة ظاهرة الانقسام في صفوف الحركة في الانتخابات النقابية والسلطات المحلية والبلدية؟ وكذلك معالجة العلاقات الفلسطينية العربية على المستويين الرسمي والشعبي، وهل كانت التجربة والعلاقة صحيحة مع المستويين، أم شابها الارباك والتعثر، ووضع اليد على الأسباب، وكذلك العلاقات على المستوى الدولي، وتشخيص العلاقة تحديدا مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول في قارات الارض؟ وهل تمكنا من الاستفادة من حركة التضامن العالمي الاستراتيجية الداعمة لنضال الشعب الفلسطيني، وغيرها من العناوين ذات الصلة بتجربة الحركة.
وتفرض الضرورة على أعضاء المؤتمر الثامن الانتباه لأهمية اشتقاق برنامج سياسي وتنظيمي وكفاحي يحاكي تحديات المرحلة، لإعادة الاعتبار للحركة ودورها الريادي في قيادة الحركة الوطنية وكفاح الشعب التحرري، وعدم الإنشداد لانتخابات الهيئات المركزية، وكأنها هي عنوان المؤتمر، كما فعلت المؤتمرات السابقة، على أهمية وضرورة انتخاب قيادة جديدة ونوعية ومؤهلة لقيادة المرحلة القادمة، يجب التركيز على البرنامج واشكال النضال وعلى الاليات المنهجية ورص صفوف الحركة، وتصليب عضويتها والتزام الأقاليم وغيرها من الهيئات بقرارات قيادة الحركة، ومعالجة الأخطاء داخل صفوف الحركة وفق مواد ولوائح النظام الداخلي والعلاقة البينية بين الهيئات القيادية، وتجديد حيويتها، ومواجهة ازماتها بثقة وجدارة دون خشية من وضع اليد على المثالب والنواقص التي تركت اثارا سلبية على مكانة ودور الحركة داخل صفوفها وفي النطاق الوطني وعلى المستويين العربي والإقليمي والعالمي. نعم المؤتمر الثامن يقف على مفترق طرق، فأما أن يكون رافعة لدور ومكانة الحركة، او العكس، لأنه إن بقي الحال على ما هو عليه، فاجزم أن الازمات ستتعمق أكثر فأكثر، وتترك بصمات وندوب سوداء في سيرورة وصيرورة حركة فتح، لكن الرهان كبير وعالي على أعضاء المؤتمر ان يجعلون من مؤتمرهم ثورة حقيقية للتجديد والتطوير والنهوض والتعافي من الازمات، وتأكيد دور الحركة القيادي للمنظمة والدولة والشعب والمشروع الوطني التحرري.



