من زهرة المدائن إلى الإنسان في قطاع غزة: حين يتحول الخطاب إلى واقع بديل

ماذا نقول عن غزة؟ بل: ماذا نفعل داخلها ومن أجلها؟
إن الوطن، في جوهره، ليس جغرافيا تُسكن، ولا تاريخًا يُروى، بل علاقة حيّة بين الإنسان وحقه في الحياة والكرامة والانتماء. وعندما تنفصل هذه العلاقة، يصبح الانتماء خطابًا بلا مضمون، وتتحول الوطنية إلى حالة وجدانية لا تُترجم إلى أثر. عندها يواجه الإنسان سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للانتماء أن يبقى حيًا دون مواطنة حقيقية؟
في زحمة المفردات: حين يضيع الإنسان في خطاب الألم، تتضح إحدى الإشكاليات العميقة في الواقع الفلسطيني داخل قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، وهي تضخم الخطاب مقارنة بقدرة الفعل. حين تتحول اللغة إلى بديل عن الفعل، والماضي إلى ملاذ من الحاضر، والأبطال إلى رموز معطّلة للإنتاج، فإن المعرفة لا تُبنى، بل يُعاد تدوير الخطاب، فينشأ وعي يكثر فيه القول ويقل فيه الإنجاز.
ويتجلى ذلك في المشهد اليومي عبر تداول واسع لخطابات “الصمود الأسطوري” و“التضحية المطلقة” و“الصبر الجميل”، في مقابل واقع إنساني شديد القسوة: عائلات فقدت منازلها وتعيش في مراكز إيواء أو خيام مؤقتة، وطلبة انقطع مسارهم التعليمي أو تشتت بين بدائل غير مستقرة، وموظفون يواجهون انعدام الدخل أو انقطاعه في ظل انهيار اقتصادي خانق. وبين هذا الواقع والخطاب، تتسع فجوة واضحة بين ما يُقال وما يُعاش.
في غزة، لم يعد الألم بحاجة إلى توصيف. البيوت المهدّمة، العائلات المشردة، الأطفال الذين خرجوا من دفء الحياة إلى قسوة الفقد… كلها وقائع يومية تتجاوز القدرة على البلاغة. ومع ذلك، يُعاد تشكيل هذا الألم داخل قوالب لغوية مكثفة، حيث تتحول المأساة إلى عبارات جاهزة تُستهلك أكثر مما تُفهم. فبدل التعامل مع الأسرة كحالة إنسانية تحتاج إلى دعم مباشر، يُعاد تقديمها بوصفها “رمزًا للصمود”، وبدل النظر إلى احتياجات الأطفال النفسية والتعليمية كأولوية، يتم التركيز على صورتهم بوصفهم “أيقونات للثبات”.
هنا لا يعود الخطاب مجرد انعكاس للواقع، بل يصبح إطارًا يعيد إنتاجه داخل لغة رمزية مغلقة، تُعلي من المعنى العام على حساب الإنسان الفرد.
في خضم هذا الخطاب، يتكرر استدعاء الماضي عبر نماذج تاريخية وسرديات بطولة تُسقط على الحاضر دون مراعاة اختلاف السياق. يتم استحضار شخصيات وأحداث من مراحل سابقة بوصفها معيارًا جاهزًا لفهم الواقع الحالي، رغم أن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد تغيّرت بشكل جذري. هذا الاستحضار، حين لا يتحول إلى معرفة نقدية قابلة للتطبيق، لا يمنح القوة بقدر ما يرسّخ شعورًا بالعجز أمام نموذج مثالي غير قابل للتكرار.
كما أن صناعة الأبطال بهذا الشكل المكثف تُنتج فجوة نفسية بين الإنسان العادي وتلك الصورة المثالية، فيتحول الفرد من فاعل محتمل إلى متفرج معجب، يكتفي بالانبهار بدل أن يسائل واقعه أو يسعى لتغييره.
وهنا تظهر الإشكالية الأعمق: مجتمع مثقل بالألم يُطلب منه أن يعبّر عنه بلغة أكبر من طاقته على الفعل. فينشأ وعي لغوي متضخم يقابله ضعف في مسارات الإنجاز الواقعي. تتكاثر العبارات، تتعاظم المشاعر، ويتسع التعاطف، لكن دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى أدوات معرفة أو تغيير ملموس.
إن المشكلة ليست في الخطاب العاطفي في ذاته، بل في احتكاره للمشهد وغياب اللغات الأخرى: لغة التخطيط، لغة النقد الذاتي، ولغة الفعل اليومي القادر على تحويل الحاجة إلى إنجاز.
غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يصف وجعها، بل إلى من يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والقضية: أن يعود الإنسان محورًا قبل أن يكون رمزًا، وأن يصبح البقاء على قيد الحياة أولوية لا تختبئ خلف البلاغة أو الشعارات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع منكوب ليس الألم ذاته، بل أن يتحول الألم إلى هوية لغوية مغلقة تُعيد إنتاج نفسها دون أفق. عندها لا تكون الأزمة في الواقع فقط، بل في طريقة فهمه والتعامل معه.
ومن هنا، فإن الرسالة الأخيرة لكل حر في قطاع غزة هي أن يستعيد معنى المواطنة بوصفها حقًا في الحياة الكريمة، لا مجرد انتماء شعاري. وأن يبحث عن حقوق مواطنته الكاملة في أي مكان في هذا العالم يضمن للإنسان كرامته ويصون وجوده ويرتقي به، بعيدًا عن فوضى المفردات وصخب العبارات وضوضاء الشعارات التي استنزفت المعنى وأبقت الإنسان في الهامش. فالوطن في جوهره ليس مجرد حدود تُرسم أو شعارات تُرفع، بل هو منظومة حياة تحفظ الإنسان أولًا، وتصون حقه في أن يكون فاعلًا لا مجرد شاهد على الألم.
نضال احمد جابر جودة.



