مرضى الأورام في قطاع غزة: من إدارة الأزمة إلى الإدارة بالأزمة

منذ السابع من أكتوبر 2023، واجه القطاع الصحي في غزة واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث. فقد تعرضت البنية التحتية الصحية إلى أضرار جسيمة، وتوقفت العديد من المرافق الطبية عن أداء دورها الطبيعي، وكان مرضى الأورام من أكثر الفئات التي تأثرت بهذه التحولات نتيجة انهيار المنظومة المتخصصة التي كانت تشرف على علاجهم ومتابعتهم بصورة منتظمة.
في الظروف الاستثنائية، تلجأ المؤسسات الصحية إلى ما يعرف بإدارة الأزمة، أي اتخاذ إجراءات مؤقتة وسريعة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات وضمان استمرار تقديم الرعاية الصحية. غير أن نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطًا بكونها حلولًا انتقالية لا بد أن تنتهي بمجرد توافر الظروف المناسبة لإعادة بناء المسارات المؤسسية الأصلية.
لكن ما شهده قطاع غزة خلال الفترة الماضية يعكس حالة مختلفة، حيث تحولت الحلول المؤقتة تدريجيًا إلى واقع إداري دائم، وانتقلت المنظومة الصحية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة الإدارة بالأزمة، وهي الحالة التي تصبح فيها الإجراءات الاستثنائية بديلًا عن المؤسسات الأصلية بدل أن تكون جسرًا للعودة إليها.
وكان مرضى الأورام من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذا التحول. فبعد انهيار مستشفى الأورام المركزي، لم يعد هناك مركز متخصص قادر على استيعاب المسار الكامل للمريض، بدءًا من التشخيص والمتابعة وانتهاءً بالعلاج والرعاية المستمرة. وبدلًا من ذلك، توزعت الخدمات الصحية على عدد من المستشفيات والمرافق البديلة المنتشرة في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
ورغم الدور المهم الذي أدته المستشفيات الميدانية والبديلة في تقديم خدمات صحية عاجلة لآلاف المرضى والمصابين، فإن النموذج الذي اعتمدته هذه المرافق لم ينجح في بناء مسار متكامل ومتخصص لمرضى الأورام. فقد ركزت معظم الخدمات المقدمة على الاحتياجات الطبية العامة والجراحية والطارئة، في حين بقيت احتياجات مرضى الأورام العلاجية والتمريضية والمتابعة الدورية خارج إطار الأولويات التي بُنيت عليها هذه المؤسسات.
والنتيجة أن مريض الأورام وجد نفسه يتنقل بين أكثر من جهة صحية وأكثر من مرجعية إدارية للحصول على أجزاء متفرقة من الخدمة التي كان يحصل عليها سابقًا ضمن منظومة أكثر تكاملًا. ولم يعد التحدي مقتصرًا على توفير الدواء أو الحصول على التحويلة الطبية، بل امتد ليشمل غياب المسار العلاجي الواضح وتشتت الملف الطبي وتعدد الجهات المشرفة على الخدمة.
كما أن الأزمة لم تقتصر على الجانب العلاجي، بل امتدت إلى الجانب الإداري. فقد كانت دائرة العلاج بالخارج تمثل المرجعية الحكومية المختصة بإدارة التحويلات الطبية، وكانت دائرة تنسيق وارتباط المرضى تمثل حلقة الوصل التنظيمية والإجرائية للمرضى المحتاجين إلى العلاج خارج القطاع. إلا أن ظهور مسارات بديلة وجهات موازية لتولي هذه المهام أدى إلى إضعاف وحدة المرجعية الإدارية وإرباك رحلة المريض بين أكثر من جهة وأكثر من إجراء.
وربما كان هذا الخيار مفهومًا في الأيام الأولى للأزمة، لكنه أصبح مع مرور الوقت أحد أبرز مظاهر الخلل الإداري في إدارة ملف مرضى الأورام. فالمؤسسات المؤقتة لا تستطيع أن تحل بصورة كاملة محل المؤسسات الحكومية المتخصصة التي تمتلك الخبرة التراكمية والهيكل التنظيمي والمسؤوليات المحددة قانونيًا وإداريًا.
ومن هنا، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الجهود المبذولة أو غياب الرغبة في تقديم الخدمة، بل في غياب الرؤية الإدارية التي تضمن دمج مرضى الأورام ضمن منظومة صحية متخصصة ومتكاملة. كما أن استمرار العمل بالمسارات الموازية على حساب المؤسسات الأصلية أسهم في خلق فجوة إدارية وخدماتية انعكست بصورة مباشرة على المرضى وعلى الطواقم العاملة في مجال الأورام.
إن أول خطوات الإصلاح تبدأ بالاعتراف بأن إدارة الأزمة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فالتعافي الصحي الحقيقي يتطلب إعادة الاعتبار للمؤسسات الحكومية المختصة، وتمكين دائرة العلاج بالخارج من استعادة دورها الطبيعي، وإعادة تفعيل دائرة تنسيق وارتباط المرضى باعتبارها الجهة المختصة بمتابعة الإجراءات المتعلقة بالمرضى المحولين للعلاج.
كما يتطلب الأمر من الإدارة الصحية لمناطق قطاع غزة توفير الدعم اللوجستي والإداري اللازم لهذه الدوائر، وتهيئة بيئة عمل مناسبة لكوادرها، والعمل على إعادة بناء المسار المؤسسي الموحد لمرضى الأورام بما يضمن وحدة المرجعية الطبية والإدارية والعلاجية.
فنجاح أي نظام صحي لا يُقاس فقط بعدد المرافق التي يتم افتتاحها خلال الأزمات، وإنما بقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة وضمان حصولها على خدمة صحية متكاملة. ولعل مرضى الأورام في قطاع غزة يمثلون اليوم الاختبار الأهم لمدى قدرة الإدارة الصحية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، ومن المسارات المؤقتة إلى المؤسسات المستدامة، ومن الإدارة بالأزمة إلى الإدارة الرشيدة للأزمة.
هذه الصياغة تجعل الرسالة الأساسية واضحة: المشكلة ليست وجود المستشفيات الميدانية بحد ذاته، بل أن الإدارة الصحية لم تنجح في دمج مرضى الأورام ضمن نموذج متخصص ومتكامل، كما أن استمرار المسارات البديلة أوجد فجوة إدارية وخدماتية تستدعي العودة إلى المؤسسات الأصلية واختصاصاتها.
نضال احمد جابر جودة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com