بين السفارة والمنظومة الصحية: أين تبدأ مسؤولية علاج مرضى قطاع غزة؟.. نضال احمد جابر جودة

في الآونة الأخيرة تصاعدت أصوات بعض النشطاء متهمة السفارة الفلسطينية في جمهورية مصر العربية بالتقصير تجاه مرضى قطاع غزة المحولين للعلاج في المشافي المصرية. ورغم أهمية مساءلة أي جهة عن دورها ومسؤولياتها، إلا أن اختزال الأزمة في أداء السفارة وحدها لا يضع اليد على أصل المشكلة، بل يتناول أحد مظاهرها المتأخرة ويغفل جذورها الإدارية والمؤسسية.
فالسفارة، بحكم طبيعة عملها، ليست الجهة التي تشخص المرض، ولا التي تقرر التحويل الطبي، ولا التي تختار المستشفى المحول إليه المريض، ولا التي تبرم العقود العلاجية مع المؤسسات الصحية خارج فلسطين. إن دورها يأتي في مرحلة متأخرة من رحلة المريض العلاجية، بعد أن تكون سلسلة طويلة من الإجراءات الطبية والإدارية قد سبقتها.
ولفهم واقع المرضى اليوم، لا بد من العودة إلى المنظومة التي كانت تدير ملف التحويلات العلاجية في قطاع غزة على مدار سنوات طويلة. فقد قامت هذه المنظومة على منهجية إدارية واضحة تبدأ بالمريض والطبيب المعالج، ثم إدارة المستشفى التي تصدر التوصية الطبية، وصولاً إلى دائرة العلاج بالخارج التي شكلت لسنوات حجر الزاوية في إدارة هذا الملف الحساس.
ولم يكن دور دائرة العلاج بالخارج مقتصراً على إصدار التحويلات المالية أو الإدارية، بل كانت الجهة المختصة بإبرام الاتفاقيات والعقود العلاجية مع المستشفيات في جمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية والضفة الغربية والقدس والمستشفيات الإسرائيلية، كما كانت تتولى توزيع المرضى المحولين وفق التشخيص الطبي والتخصصات المتوفرة في تلك المؤسسات الصحية. وخلال سنوات عملها راكمت الدائرة خبرة مؤسسية واسعة في إدارة العلاج خارج حدود قطاع غزة.
وبالتوازي مع ذلك، كانت دائرة تنسيق وارتباط المرضى تؤدي دوراً محورياً لا يقل أهمية عن دور دائرة العلاج بالخارج. فمهمتها لم تكن تقتصر على استصدار التصاريح أو تنظيم إجراءات السفر، بل كانت تتابع أوضاع المرضى المحولين للعلاج، وتعمل على تسهيل انتقالهم بين المستشفيات عند الحاجة، ومواكبة التطورات الطبية التي قد تستدعي تغيير الجهة العلاجية أو تمديد فترة العلاج أو استكمال إجراءات التشخيص.
لقد مثلت هاتان الدائرتان، إلى جانب المستشفيات الحكومية والكوادر الطبية، منظومة إدارية متكاملة تقوم على وضوح المسؤوليات وتراكم الخبرات، بما يضمن عدم ضياع المريض بين الجهات المختلفة أو انقطاع متابعته خلال مراحل العلاج المتعددة.
غير أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أحدث تغيرات عميقة في بنية إدارة الملف الصحي في قطاع غزة. فقد برزت مسارات موازية وبدائل مؤقتة حلت محل المؤسسات الأصلية أو همشت أدوارها، الأمر الذي أدى تدريجياً إلى تآكل التراكم الإداري والمهني الذي تأسس عبر سنوات طويلة.
ومع مرور الوقت بدأت تظهر فجوات إدارية وخدماتية انعكست بصورة مباشرة على المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة، وفي مقدمتهم مرضى الأورام الذين تتطلب حالتهم متابعة دقيقة ومستمرة وخططاً علاجية مترابطة لا تحتمل الانقطاع أو الارتجال الإداري. فالعلاج في مثل هذه الحالات لا يقتصر على توفير سرير في مستشفى أو تأمين عبور المريض إلى خارج القطاع، بل يحتاج إلى منظومة كاملة من المتابعة والتنسيق والتوثيق والتقييم الطبي المستمر.
ومن هنا فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في سؤال: ماذا فعلت السفارة؟ بل في سؤال أكثر أهمية وعمقاً: أين ذهبت المنظومة التي كانت تدير الملف منذ لحظة تشخيص المرض وحتى انتهاء رحلة العلاج؟
فالحديث عن السفارة دون الحديث عن غياب دوائر الاختصاص الأصلية يشبه الحديث عن الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة مع تجاهل الحلقات التي تسبقها. ولذلك فإن توجيه النقد إلى السفارة وحدها لا يؤدي إلى معالجة الخلل، بل قد يصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت المرضى إلى هذا الواقع المعقد.
وإذا كان الحديث اليوم يدور حول إصلاح هذا الخلل، فإن الخطوة الأولى يجب أن تبدأ من داخل المنظومة الصحية نفسها. فالإدارة العامة للمستشفيات في قطاع غزة مطالبة بإعادة تفعيل البنية الإدارية التي كانت تدير ملف التحويلات العلاجية بصورة مهنية ومنظمة، باعتبارها الجهة الأقرب إلى الواقع الصحي واحتياجات المرضى اليومية.
كما تقع على عاتق السيد وكيل وزارة الصحة المكلف في قطاع غزة مسؤولية توفير البيئة المؤسسية اللازمة لاستعادة العمل الإداري المتخصص، من خلال تخصيص مقار مستقلة ومجهزة لكل من دائرة العلاج بالخارج ودائرة تنسيق وارتباط المرضى، وتوفير كامل الدعم اللوجستي والفني والإداري اللازم لتمكينهما من ممارسة اختصاصاتهما بصورة فاعلة ومستدامة.
فإعادة بناء المؤسسات لا تتحقق عبر الحلول المؤقتة أو تعدد المرجعيات، وإنما من خلال تمكين الجهات صاحبة الاختصاص من استعادة أدوارها الطبيعية ضمن هيكل إداري واضح ومتكامل. فالمريض لا يحتاج إلى تعدد الجهات التي تتحدث باسمه، بقدر حاجته إلى جهة مسؤولة تعرف متى تبدأ المهمة، وكيف تتابعها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
إن إنصاف مرضى قطاع غزة لا يتحقق بتبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، بل بإعادة بناء منظومة صحية وإدارية مهنية يكون فيها المريض نقطة البداية، وتكون كرامته وحقه في العلاج هي الغاية والهدف. وعندما تستعيد المؤسسات المختصة أدوارها الطبيعية، وتعود المسؤوليات إلى أصحابها، يصبح بالإمكان محاسبة كل جهة على أساس واضح وعادل، ويصبح المريض هو الرابح الأول من أي عملية إصلاح حقيقية.



