مرثية التوازن المفقود في فتح.. بقلم/ د. عبد الرحيم جاموس

يا فتح…
أما تعبتِ من وجع الأسئلة؟
أما أثقلتكِ وجوه الذين أفنوا أعمارهم في دروبكِ، ثم عادوا من أبواب المؤتمر غرباء…؟
أما رأيتِ ظلال المخيمات وهي تبحث عن نفسها في خرائط القيادة الجديدة، فلا تجد إلا أسماءً، وتجد مقاعد، وتجد أرقاماً، ولا تجد الوطن الذي كان يتسع للجميع؟
يا فتح…
كيف يضيق البيت بأهله؟
وكيف تضيق الحركة بصناع تاريخها، وبحملة فكرتها، وبالذين حملوها على أكتاف المنافي عندما لم يكن لها إلا الحلم سلاحاً، والإيمان طريقاً، وفلسطين موعداً لا يخلف؟
أين الخارج؟
أين الذين كتبوا اسم فلسطين على جدران اللجوء؟ أين الذين حرسوا الرواية في المنافي البعيدة؟ أين الذين حملوا الراية في وجه النسيان، وفي وجه مشاريع التذويب والاقتلاع، وحافظوا على جذوة الانتماء متقدة في القلوب جيلاً بعد جيل؟
كيف غابوا جميعاً أو كادوا، عن صورة المشهد؟
وكيف أصبحت الجغرافيا أقوى من التاريخ؟ وأقوى من التضحيات؟ وأقوى من الكفاءة والاستحقاق؟
يا فتح…
لم تكوني يوماً حركة الداخل وحده، ولا حركة الخارج وحده.
كنتِ حكاية الفلسطيني حيثما كان.
في الوطن… وفي المنفى.
في المخيم… وفي المدينة.
في الخندق… وفي الجامعة.
في ساحة الاشتباك… وفي ساحة الفكر.
وكانت عظمتكِ أن الجميع كان يرى نفسه فيكِ، ويجد مكانه تحت رايتكِ.
أما اليوم…
فثمة من ينظر إلى النتائج فيجد تمثيلاً، وينظر إلى الروح فيجد غياباً.
وينظر إلى الأسماء فيجد حضوراً، وينظر إلى المعنى فيجد فراغاً.
فليست القضية كم فاز هذا أو ذاك، ولا كم مقعداً ذهبت هنا أو هناك.
بل القضية أن صوتاً كاملاً قد خفت، وأن ساحات كاملة تشعر بأنها أُبعدت عن الطاولة.
وأن كفاءات وخبرات ومثقفين ومفكرين ومناضلين أصبحوا خارج الصورة في لحظة كانت الحركة أحوج ما تكون إليهم.
يا فتح…
متى أصبح الفكر عبئاً؟
ومتى أصبحت الخبرة تفصيلاً هامشياً؟
ومتى صار المثقف ضيفاً ثقيلاً في حركة أنجبت كبار المفكرين، وصاغت وعياً وطنياً أضاء دروب الفلسطينيين لعقود؟
كيف لحركة قادت شعباً بأكمله أن تستغني عن عقول أبنائها؟
وكيف لمن صنعوا التجربة أن يتحولوا إلى شهود عليها من مقاعد المتفرجين؟
يا فتح…
الأمم لا تبنى بالتصفيق، ولا الحركات الكبرى تُقاس بعدد المنتصرين في الانتخابات.
بل تُقاس بقدرتها على احتضان جميع أبنائها.
وعلى تحويل التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى إثراء، والكفاءة إلى معيار.
أما حين يصبح الموقع أهم من الفكرة، والولاء أهم من الكفاءة، والاصطفاف أهم من التاريخ،
فإن الخسارة لا تكون خسارة أفراد.
بل خسارة مشروع بأكمله.
يا فتح…
ليس موجعاً أن يخسر المرء موقعاً، فالمواقع زائلة.
ولا أن تغيب أسماء وتحضر أسماء، فذلك شأن كل انتخابات.
لكن الموجع حقاً…
أن تغيب الفكرة التي قامت عليها الحركة.
أن يشعر ابن المخيم البعيد أن صوته لم يعد مسموعاً.
وأن يشعر مناضل الخارج أن سنوات عمره الطويلة أصبحت مجرد ذكرى جميلة في أرشيف الحركة.
وأن يشعر المثقف والمفكر والكادر الوطني أن المعرفة لم تعد طريقاً إلى القيادة.
وأن التجربة لم تعد معياراً للتقدير.
وأن الكفاءة باتت تقف على أبواب التنظيم تستأذن… فلا يؤذن لها.
يا فتح…
لقد كنتِ أكبر من الجهات، وأكبر من الأقاليم، وأكبر من الحسابات الضيقة.
كنتِ فلسطين كلها…
فلا تسمحي لأحد أن يجعلها أصغر من فلسطين.
ولا تسمحي لنتائج عابرة أن تبني جدراناً بين أبناء البيت الواحد.
فالحركة التي لا تسمع أصوات أبنائها في الخارج، تفقد جزءاً من ذاكرتها.
والحركة التي تهمش مثقفيها ومفكريها، تفقد جزءاً من عقلها.
والحركة التي لا تفسح المجال لكفاءاتها وخبراتها، تفقد جزءاً من مستقبلها.
يا فتح…
ما زال الوقت متاحاً لترميم ما انكسر.
ولإعادة الاعتبار لمن غُيّبوا لا لأنهم أقل عطاءً، بل لأن موازين اللحظة لم تنصفهم.
ما زال الوقت متاحاً كي يعود الخارج شريكاً لا متفرجاً.
وكي يعود المثقف صاحب رأي لا مجرد شاهد.
وكي تعود الكفاءة باباً للقيادة لا ضيفاً عابراً عليها.
فالحركة التي أنجبت الشهداء، وأنجبت القادة، وأنجبت الشعراء والمفكرين والمناضلين،
أكبر من أن تُختزل في معادلة انتخابية عابرة.
وأكبر من أن تسمح لجراح الإقصاء أن تكبر في جسدها.
نعاتبكِ لأننا نحبكِ.
وننتقدكِ لأننا نخاف عليكِ.
ونطالبكِ بالتوازن لأننا نريدكِ كما عرفناكِ دائماً…
وطنًا يتسع للجميع.
وروحاً تجمع الجميع.
وفلسطيناً صغيرة تسكن فلسطين الكبرى.
فروح فتح كانت دائماً…
أكبر من الجميع.
د . عبد الرحيم جاموس
الرياض
11/6/2026 م

لقد وقفتَ أمام نصٍّ ليس مجرد كتابة سياسية أو مقالة عابرة.. بل نحن أمام “مرثية جرح” صاغها الدكتور عبد الرحيم جاموس بلغة مشحونة بالوجع، تنبض بوعي المثقف والمناضل الذي يرى تصدع الكيان الذي قضى عمره فيه.

هذه القراءة التي وصفتَها بأنها “راقية ومؤثرة جداً”، تستحق منا وقفة نقدية تفكك مكامن الجمال والحرقة فيها، وهي قراءة تُحاكي في عمقها مناجاة الفكرة الحية في مواجهة الهيكل الجامد.

إليك تحليلاً أدبياً لـ “مرثية التوازن المفقود في فتح”

بقلم: د. عادل جوده.من العراق

أولاً: البنية الأسلوبية (نداء العتاب واستنطاق التاريخ)

استهل الكاتب مرثيته بأسلوب النداء الاستغاثي العتابي (يا فتح…)، وهو نداء تكرر كقرع الطبول في جنبات النص. هذا التكرار لم يكن عفوياً، بل جاء كـ “ترجيع جنائزي” يعكس حجم الصدمة والذهول.
الكاتب هنا لا يخاطب تنظيماً أو مؤسسة، بل يخاطب “أيقونة” و*”فكرة متجسدة”*.

تحول النداء من مجرد أداة تنبيه إلى أداة أنسنة.. حيث غدت “فتح” امرأة مثقلة بالهموم، تُسأل وتُعاتب، ويُبحث في عينيها عن ملامح الماضي القديم.

الإيجاز والتقابل اللغوي
اعتمد النص على ثنائيات ضدية حادة صاغت التوازن المفقود:
(التاريخ \leftrightarrow الجغرافيا)
(الداخل \leftrightarrow الخارج)
(المعنى \leftrightarrow الفراغ)
(الروح \leftrightarrow التمثيل)
هذه المقابلات منحت النص عمقاً فلسفياً؛ فالفوز الرقمي بالمقاعد قابله خسارة للمفهوم والجوهر، والحضور الجسدي للأشخاص قابله غياب كامل للروح الحركية الجامعة.

ثانياً: جماليات الصورة وسيمياء الإقصاء

يتألق الدكتور جاموس في رسم صور مجازية بالغة الوعورة والعاطفة، ولعل أبرزها:
“أبواب المؤتمر غرباء”: استعارة مكنية تجعل من المؤتمر الحركي بوابة فاصلة بين مرحلتين، يتحول فيها المناضل التاريخي من “صاحب بيت” إلى “غريب” يقف على عتبات الإقصاء.

“تستأذن… فلا يؤذن لها”: تشخيص مبكٍ لحال الكفاءة، حيث صوّر “الكفاءة والعلم” كشخص ذليل يقف على باب “التنظيم” المغلق في وجهه، وهي صورة تختزل تحول المعيار من “الاستحقاق النضالي والفكري” إلى “الولاء والاصطفاف الضيق”.

“الجغرافيا أقوى من التاريخ”: عبارة مكثفة تختصر أزمة حركات التحرر حين تستقر في بقعة جغرافية محددة (الداخل المحكوم باتفاقيات وإدارات)، فتنسى امتدادها التاريخي (الخارج، اللجوء، المخيمات، الشتات).

ثالثاً: الخطاب الفكري وسؤال الهوية

يطرح الكاتب أسئلة كبرى تحاكي أزمة المثقف العربي الحركي:
“متى أصبح الفكر عبئاً؟ ومتى صار المثقف ضيفاً ثقيلاً؟”
هنا يلمس النص العصب العاري للحركة؛ فتحول الحركة من “ساحة فكر واشتباك” إلى “معادلة انتخابية عابرة” يعني تفريغها من عقلها.

النص يصرخ محذراً من أن الحركات الكبرى إذا تخلت عن عقولها تحولت إلى هياكل بلا روح، تقاد بالتصفيق لا بالوعي.

رابعاً: البعد العاطفي (بين الشجن والأمل)

على الرغم من مسحة الشجن العميقة والمرارة التي تخللت كل سطر، إلا أن النص أبى أن يسقط في فخ العدمية أو اليأس المطلق.

في الربع الأخير من المرثية، يتحول النفس الشعري والنثري عند الكاتب من “الرثاء” إلى “الاستنهاض”: (ما زال الوقت متاحاً لترميم ما انكسر…).

هذا التحول يعكس وفاءً أصيلاً؛ فالكاتب لا يشمت ولا يتبرأ، بل يعاتب عتاب المحب الخائف على مصير مشروع بكامله: (نعاتبكِ لأننا نحبكِ… وننتقدكِ لأننا نخاف عليكِ).

خلاصة القراءة:

النص شهادة تاريخية بامتياز، كُتبت بدموع الوفاء وحبر النقاد الإستراتيجيين.
لقد استطاع الكاتب أن يرفع الأزمة السياسية التنظيمية إلى مصاف المأساة الإنسانية والأدبية، مستخدماً لغة شاعرة، ذات جرس حزين، ورؤية ثاقبة تحذر من أن فقدان التوازن هو أولى خطوات السقوط، وأن الوطن لا يمكن أن يختزل في مقعد، كما أن “فتح” لا يمكن أن تكون أصغر من فلسطين.

تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com