الشباب الفلسطيني: طليعة الصمود في زمن الإبادة ومستقبل السلم المنشود.. بقلم: د. سالم سعد

في ظل الظروف التاريخية القاسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وخاصة الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، يبرز الشباب الفلسطيني لا كضحية لهذه السياسات فحسب، بل كفاعلٍ أساسي، ومحركٍ للتغيير، ومدافعٍ صلب عن الوجود والحق. إن دور الشباب في هذه المرحلة يتجاوز الأطر التقليدية؛ إنه دور وجودي يعيد تعريف مفاهيم السلم والأمن والاستقرار في سياق استعماري يسعى لتقويض كل مقومات الحياة.
إن قطاع غزة يعيش حالة من التدمير الممنهج الذي طال البنية التحتية والمنظومات التعليمية والنسيج الاجتماعي؛ فالحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل هي محاولة لاجتثاث المستقبل عبر استهداف جيل الشباب. ومع ذلك، أثبت الشباب الفلسطيني أنهم الحصن المنيع ضد محاولات التفتيت؛ إذ تحولوا إلى “مراسلين” ينقلون الحقيقة للعالم، و”مسعفين” في الميدان، و”صناع للأمل” داخل مراكز الإيواء والمخيمات. هذا الدور الريادي يثبت أن السلم والأمن لا يمكن تحقيقهما دون إرادة جيلٍ يرفض أن يكون ضحية صامتة.
وتتجلى ريادة الشباب في هذه المرحلة عبر ثلاثة مسارات حيوية:
* حفظ الذاكرة والهوية: في وقتٍ تُشن فيه حربٌ شرسة على الرواية الفلسطينية، استطاع الشباب توظيف الفضاء الرقمي لتوثيق القضية وتدويلها، محولين معاناتهم إلى رأي عام عالمي ضاغط.
* التكافل المجتمعي: برزت مبادرات شبابية عفوية ومنظمة لإدارة الأزمات، بدءاً من توزيع الموارد الشحيحة وصولاً إلى تنظيم التعليم في الخيام؛ وهو فعلٌ سياسي بامتياز يعزز صمود المجتمع ضد مخططات التهجير.
* الوعي السياسي: لم يعد الشباب مجرد متلقٍ للسياسات، بل أصبحوا قوة دافعة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، مطالبين بالوحدة الوطنية كشرطٍ لا غنى عنه لأي مشروع وطني ناجح.
إن الحديث عن “السلم” في ظل استمرار الإبادة هو ضربٌ من الخيال السياسي ما لم يرتبط بإنهاء أسبابه الجذرية. إن إنهاء الصراع يتطلب تحولاً جذرياً في المنهج الدولي والفلسطيني ينطلق من الاعتراف بالحقوق غير القابلة للتصرف؛ فلا استقرار في المنطقة دون إنهاء الاحتلال، وتفكيك منظومة “الأبارتهايد”، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو تجلٍ للعدالة.
إن أزمة القيادة الحالية تفرض ضرورة إشراك طاقات الجيل الشاب في مراكز صنع القرار وصياغة استراتيجية التحرر. كما يتوجب على الشباب ومناصريهم حول العالم مواصلة الضغط لفرض عقوبات دولية على دولة الاحتلال، وربط مفهوم “الأمن” بإنهاء الإفلات من العقاب. إن أخطر سلاح يملكه الشباب هو العقل؛ لذا فإن الاستثمار في استمرارية التعليم وتطوير مهارات الجيل الشاب هو الاستثمار الأمثل لضمان استقرار فلسطين مستقبلاً.
إن الشباب الفلسطيني لا يطالب بـ “سلام القبور”، بل بسلام العدالة والحرية. لقد كشفت الحرب في غزة عن وجه العالم القبيح، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن قوة وعنفوان الشباب الذين قرروا حمل أمانة القضية. إن الاستقرار لن يتحقق إلا حين يدرك المجتمع الدولي أن شباب فلسطين هم شركاء في صياغة نظام عالمي جديد يقوم على احترام كرامة الإنسان وحقوق الشعوب في أرضها.
إن الشباب هم البوصلة؛ فإذا ما أُطلق عنان طاقاتهم في مسار التحرر والبناء، سيكونون الضمانة الوحيدة لمستقبلٍ يتسع للجميع في وطنٍ حر ومستقل. ومن هذا المنطلق، يتوجب على الشباب أخذ زمام المبادرة والتحرك الفاعل لمقاومة الإبادة، ووقف الحرب، وإعادة بناء الإنسان، وصولاً إلى التحرير الكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com