مؤتمر باريس وحل الدولتين: فرصة أخيرة أم محطة جديدة في مسار التعثر؟.. بقلم: شريف الهركلي

بين ركام الحرب في غزة وضجيج المدافع الذي لم يغادر ذاكرة الفلسطينيين، بدا مؤتمر باريس وكأنه محاولة جديدة لإعادة السياسة إلى المشهد بعد أن طغت لغة الحرب على كل ما عداها. ومن قلب المعاناة الفلسطينية، تابعتُ نقاشات المؤتمر الذي سعى إلى استكشاف ما إذا كان حل الدولتين لا يزال قادراً على الحياة، أم أنه أصبح مجرد عنوان يتكرر في البيانات الدولية دون طريق واضح إلى التنفيذ.
شارك في المؤتمر نحو 150 شخصية من الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب وممثلين عن عدد من دول العالم، وكان اللافت أن غالبية المشاركين يمثلون مؤسسات المجتمع المدني في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، إلى جانب شخصيات أكاديمية وسياسية ودبلوماسية، في محاولة لإيجاد مساحة حوار تدعم الجهود السياسية الرسمية.
وركزت النقاشات على مجموعة من القضايا الجوهرية، أبرزها وقف الحرب في قطاع غزة، والحفاظ على حل الدولتين باعتباره الإطار السياسي الأكثر حضوراً في الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. كما تناولت المداولات ضرورة وقف الإجراءات الأحادية التي تعرقل فرص التسوية، والحد من أعمال العنف والتوتر في الضفة الغربية.
وتطرقت المناقشات إلى مستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب، من خلال دعم تشكيل إدارة فلسطينية مهنية تتولى المرحلة الانتقالية وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، بالتوازي مع جهود إعادة الإعمار وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، بما يمهد لعودة سلطة فلسطينية موحدة وقادرة على تحمل مسؤولياتها كاملة.
كما اكتسب المؤتمر أهمية إضافية مع التوجه لرفع توصياته إلى مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7)، التي تستعد لعقد اجتماعاتها خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي يمنح مخرجاته فرصة للوصول إلى دوائر صنع القرار الدولي.
وجاء انعقاد المؤتمر في ظل إصرار فرنسي واضح على التمسك بحل الدولتين بوصفه الرؤية السياسية الوحيدة القادرة على إنهاء الصراع المزمن في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تآكل فرص الحل السياسي نتيجة استمرار الحرب وتراجع الثقة بين الأطراف المختلفة.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة المبادرات أو إصدار التوصيات، بل في قدرة المجتمع الدولي على توفير آليات تنفيذ حقيقية وملزمة. فقد أثبتت التجارب السابقة أن كثيراً من المؤتمرات انتهت إلى بيانات طموحة، لكنها اصطدمت لاحقاً بتضارب المصالح وغياب الإرادة السياسية اللازمة لتحويل التعهدات إلى واقع ملموس.
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح مؤتمر باريس في إعادة إحياء الأمل بحل الدولتين، أم أنه سيضاف إلى قائمة المبادرات التي عجزت عن تجاوز حدود النقاش النظري؟ الإجابة لن تكون في الكلمات والبيانات، بل في قدرة الأطراف الدولية على الانتقال من إدارة الصراع إلى صناعة السلام، بما يضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والكرامة والاستقرار.



