بين الشائعة والمسؤولية الوطنية: حقيقة الادعاءات حول تحويل مياه طولكرم.. بقلم: المحامي علي أبو حبلة

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للأخبار لدى شريحة واسعة من الجمهور، تزداد أهمية التحقق من المعلومات قبل تداولها، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس الأمن المائي والموارد الاستراتيجية للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، تداولت بعض المنصات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي أخباراً تزعم أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) طلب من بلدية طولكرم تحويل خط ناقل للمياه من آبار المدينة إلى مدن أخرى في الضفة الغربية.
وبعد التدقيق والتحري في المصادر الرسمية المتاحة، والبحث في المشاريع المعلنة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لم يتبين وجود أي وثيقة أو تصريح رسمي أو إعلان صادر عن البرنامج أو بلدية طولكرم أو سلطة المياه الفلسطينية يؤكد صحة هذه الادعاءات. كما لم تظهر أي معلومات موثوقة تشير إلى وجود مشروع من هذا النوع قيد الدراسة أو التنفيذ.
إن خطورة تداول مثل هذه الأخبار لا تكمن فقط في احتمال عدم صحتها، بل في ما قد تسببه من إثارة للقلق بين المواطنين، وخلق انطباعات خاطئة حول إدارة الموارد المائية في ظل ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة تعيشها الأراضي الفلسطينية.
ومن الناحية القانونية، فإن إدارة الموارد المائية في فلسطين تخضع لقوانين وأنظمة واضحة، وتشرف عليها سلطة المياه الفلسطينية باعتبارها الجهة المختصة بتنظيم القطاع المائي. وأي مشروع يتعلق بإعادة توزيع المياه أو إنشاء خطوط ناقلة رئيسية بين المحافظات يتطلب دراسات فنية وهيدرولوجية وبيئية واقتصادية، فضلاً عن موافقات رسمية وإجراءات قانونية معقدة لا يمكن تجاوزها أو تنفيذها بصورة منفردة أو غير معلنة.
أما من الناحية الفنية، فإن فكرة نقل المياه من طولكرم إلى مدن أخرى في الضفة الغربية ليست بالأمر البسيط أو السهل التنفيذ. فشبكات المياه الحالية صممت لتلبية احتياجات التجمعات السكانية المحلية، كما أن محافظة طولكرم نفسها تواجه تحديات متزايدة تتعلق بتوفير المياه للسكان والقطاع الزراعي، في ظل القيود المفروضة على استغلال الموارد المائية الفلسطينية.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن مشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في محافظة طولكرم تركز أساساً على تطوير البنية التحتية، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتحسين كفاءة الخدمات المائية، ودعم مشاريع الطاقة المتجددة المرتبطة بمحطات المعالجة، وهي مشاريع تنموية تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين، وليس إلى تحويل المياه بين المحافظات.
إن قضية المياه في فلسطين تتجاوز بعدها الخدمي لتصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي الفلسطيني. فالاحتلال الإسرائيلي ما زال يفرض سيطرة واسعة على مصادر المياه الجوفية والسطحية، ويقيد قدرة الفلسطينيين على تطوير بنيتهم المائية بالشكل الذي يلبي احتياجاتهم المتزايدة. ولذلك فإن أي نقاش يتعلق بالمياه يجب أن يستند إلى الحقائق والمعطيات العلمية والقانونية، بعيداً عن الشائعات أو المعلومات غير الموثقة.
وفي ظل التحديات التي تواجهها فلسطين، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي من الجميع ـ أفراداً ومؤسسات ووسائل إعلام ـ تحري الدقة والتثبت من الأخبار قبل نشرها أو إعادة تداولها، لأن حماية الأمن المائي تبدأ بحماية الحقيقة ذاتها.
إن المعطيات المتوافرة حتى الآن تؤكد أن الادعاء المتداول بشأن طلب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحويل خط ناقل لمياه طولكرم إلى مدن أخرى في الضفة الغربية يفتقر إلى أي سند رسمي أو دليل موثوق، ما يستوجب التعامل معه بحذر شديد وعدم البناء عليه في تشكيل المواقف أو إطلاق الأحكام، إلى أن يصدر ما يؤكد أو ينفي ذلك من الجهات المختصة بصورة رسمية وواضحة.
تعتمد هذه القراءة على المعلومات والبيانات المتاحة من المصادر الرسمية والمؤسسات ذات العلاقة حتى تاريخ إعداد المقال، وتبقى أي معطيات جديدة أو وثائق رسمية تصدر لاحقاً أساساً لأي مراجعة أو تحديث للموقف والتحليل.



