دعوى قضائية.. نضال احمد جابر جودة

أختصم من؟
أأوجه الدعوى إلى صاحب الفعل؟
أم أوجهها إلى من أعطى نفسه الحق في توسيع دائرة رد الفعل حتى تجاوزت الفاعل إلى الناس وبيوتهم وأعمارهم وأرزاقهم؟
أم أوجهها إلى من صاغ الشعار ورفع الراية، ثم ترك شعباً بأكمله بلا غطاء يحميه من الموت والخوف والجوع والتشرد؟
أم أوجهها إلى ذاك الذي جعل الناس في هذه الأزمة اللعينة يتسولون رواتبهم، ويتسولون حقوقهم، ويتسولون أبسط مقومات الحياة وسط نزوح كافر وخيام كئيبة لا تشبه الحياة ولا تشبه الوطن؟
أم أوجهها إلى أولئك الذين يتغنون بصمودنا، بينما نحن لم نختر الصمود ولم نختر البقاء؟ بقينا لأننا لم نجد طريقاً آخر. بقينا لأننا كنا مكرهين على البقاء، لا أبطالاً في رواية يكتبها الآخرون، ولا أرقاماً في خطاباتهم ومنشوراتهم.
أم أوجهها إلى رؤوس الأموال التي غادرت مع أول الطريق، ثم جلست في أماكن آمنة تتحدث عن صمود الفقراء الذين تركوا خلفها يواجهون الجوع والخوف والخراب وحدهم؟
إلى من أرفع دعواي؟
إلى من جعل الإنسان في غزة يتسول النجاة، ويتسول الحياة، ويتسول الراتب، ويتسول حقه في أن يعيش يوماً عادياً كبقية البشر؟
سيدي القاضي…
في ديسمبر من عام 2023 فقدت منزلي المكون من ثلاثة طوابق. لم أفقد حجارة وإسمنتاً فحسب، بل فقدت سنوات طويلة من التعب والعمل والأحلام. فقدت المكان الذي كان يجمع أسرتي ويمنحها الشعور بالأمان والانتماء والاستقرار.
وفي اللحظة التي سقط فيها المنزل لم أكن أعلم أن الركام لن يكون تحت الأنقاض فقط، بل سيمتد إلى تفاصيل حياتنا كلها.
منذ ذلك اليوم وأنا وعائلتي نعيش حياة التشرد. ننتقل من مكان إلى آخر بحثاً عن مأوى مؤقت، ونحاول أن نمنع الانكسار من التسلل إلى نفوس أطفالنا، ونحاول أن نقنع أنفسنا كل صباح بأن هذه الحياة الاستثنائية لن تطول، لكنها تطول.
لقد استنزفتنا الحرب مادياً حتى ضاقت بنا سبل العيش، واستنزفتنا نفسياً حتى أصبح الحزن جزءاً من الروتين اليومي، واستنزفتنا عاطفياً حتى صرنا نخشى التعلق بأي شيء خشية فقدانه.
ولذلك فإن دعواي ليست دعوى من أجل منزل دُمر، بل من أجل حياة دُمرت معه.
دعواي من أجل الكرامة التي تتآكل كل يوم في طوابير الانتظار.
ومن أجل الموظف الذي ينتظر راتبه كما ينتظر الصدقة.
ومن أجل الأب الذي لم يعد قادراً على تفسير هذا الخراب لأطفاله.
ومن أجل الأم التي تحاول أن تصنع من الخيمة بيتاً ومن الخوف طمأنينة.
ومن أجل جيل كامل يتعلم منذ سنوات كيف يعيش على الحد الأدنى من كل شيء.
أما الخصم في هذه الدعوى، فما زلت أبحث عنه.
لأن الضرر واضح.
والضحايا واضحون.
والخراب واضح.
أما المسؤولية فقد توزعت بين كثيرين حتى ضاع اسم المدعى عليه وبقيت المأساة وحدها شاهدة على الجريمة.
وعليه، ألتمس من ضمير العالم قبل محاكمه أن يعترف أولاً بأن ما جرى لم يكن مجرد تدمير للمباني، بل تدميراً لمعنى الحياة نفسها.
وحتى يتحقق ذلك، ستبقى هذه الدعوى مفتوحة.



