مرضى قطاع غزة: بين أولويات الواقع الصحي ومحاور مؤتمر جمعية العودة الصحية 2026.. نضال احمد جابر جودة

يعيش المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة  حالة من الفجوة الصامتة والاحتراق الصحي المؤسسي، لهذا من الضروري أن ندرك جيدًا الفرق بين القطاع الصحي والمريض. فالقطاع الصحي يمثل منظومة من المؤسسات والسياسات والخطط والمشاريع والبرامج، أما المريض فهو الغاية التي وجدت هذه المنظومة من أجلها. وعندما تتسع المسافة بين الاثنين، يصبح الحديث عن تطوير القطاع الصحي منفصلًا عن الغاية الأساسية التي يفترض أن يخدمها.
في هذا السياق، انعقد مؤتمر جمعية العودة الصحية الأول للعام 2026، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والأكاديميين الذين قدموا أوراقًا علمية ومداخلات مهنية تناولت جوانب متعددة من الواقع الصحي في قطاع غزة، كما تكرر خلال جلسات المؤتمر الحديث عن التعافي الصحي ومتطلبات المرحلة المقبلة والفرص المتاحة لإعادة بناء المنظومة الصحية. وهي موضوعات مهمة لا يمكن التقليل من أهميتها في ظل ما تعرض له القطاع الصحي من أضرار جسيمة.
إلا أن القراءة الإدارية للمؤتمر تفرض سؤالًا مشروعًا يتعلق بترتيب الأولويات أكثر من تعلقه بمضمون الأوراق العلمية المقدمة. فالمؤتمرات الصحية لا تقاس فقط بعدد الخبراء المشاركين فيها أو بجودة الإحصائيات المعروضة خلالها، وإنما بمدى قدرتها على ملامسة الفجوات الصحية الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا على حياة الناس.
ومن هذه الزاوية، بدا أن الحديث عن الواقع الصحي جاء بصورة عامة وفضفاضة تعكس المشهد الكلي للأزمة الصحية، بينما غابت أو تراجعت ملفات مرضية تمثل اليوم جوهر الأزمة الصحية في قطاع غزة. فمرضى الأورام ومرضى الفشل الكلوي ومرضى الأمراض الكبدية المزمنة لم يحضروا في الخطاب المطروح بالحجم الذي يتناسب مع حجم معاناتهم وتعقيدات أوضاعهم العلاجية، رغم أنهم يشكلون الفئة الأكثر ارتباطًا بمفهوم الحق في العلاج واستمرارية الخدمة الصحية.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المنظومة الصحية في غزة لا يتمثل فقط في إعادة بناء المباني أو توفير الأجهزة الطبية، وإنما في ضمان استمرارية المسارات العلاجية للفئات الأكثر هشاشة. فمريض الأورام لا يبحث عن خطاب صحي عام بقدر ما يبحث عن علاج منتظم وخطة علاجية واضحة وتحويل طبي فعال. ومريض الفشل الكلوي لا يقيس نجاح النظام الصحي بعدد المؤتمرات المنعقدة، وإنما بقدرته على الوصول الآمن والمستمر إلى جلسات الغسيل الكلوي. وكذلك الحال بالنسبة لمرضى الأمراض الكبدية المزمنة الذين يحتاجون إلى رعاية تخصصية طويلة الأمد.
كما أن الحديث المتكرر عن التعافي الصحي يفرض سؤالًا إداريًا مهمًا: تعافٍ لمن؟ وهل تنعكس خطط التعافي بصورة مباشرة على الفئات المرضية الأكثر احتياجًا للخدمة، أم أنها ما زالت تدور في إطار التخطيط العام وإدارة المشاريع؟
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل أثر البدائل الصحية الميدانية التي برزت خلال المرحلة الأخيرة. فرغم الدور الذي قامت به في سد بعض الاحتياجات الصحية الطارئة، إلا أن توسع هذه النماذج البديلة ترافق مع تراجع حضور بعض الدوائر الصحية الحكومية السيادية التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من منظومة الحق في العلاج. وقد أدى ذلك إلى إضعاف بعض المسارات الإدارية والخدماتية المرتبطة بمرضى الأورام ومرضى الفشل الكلوي ومرضى الأمراض الكبدية، الأمر الذي انعكس سلبًا على استمرارية الخدمة الصحية وتكاملها. فالمشكلة لا تكمن في وجود البدائل بحد ذاتها، وإنما في غياب التكامل المؤسسي بينها وبين الأطر الصحية الحكومية صاحبة الاختصاص والمسؤولية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تقييم العلاقة بين الخدمات الصحية البديلة والمؤسسات الحكومية الصحية، بما يضمن الحفاظ على مبدأ الحق في العلاج باعتباره حقًا أصيلًا للمريض، وليس مجرد خدمة مرتبطة بوجود مشروع أو تدخل مؤقت أو مبادرة طارئة.
إن الملاحظة الأساسية على المؤتمر لا تتمثل في غياب الكفاءة العلمية أو المهنية للمشاركين، فغالبيتهم يمتلكون خبرات علمية وإدارية مشهودًا لها، وإنما تتمثل في طبيعة القضايا التي تم منحها الأولوية داخل النقاش الصحي. فثمة فرق بين الحديث عن إدارة الأزمة الصحية، وبين الحديث عن المرضى الذين يعيشون نتائج تلك الأزمة يوميًا.
لقد نجح المؤتمر في عرض صورة واسعة عن الواقع الصحي وتحدياته، لكنه في المقابل يحتاج في المراحل المقبلة إلى منح مساحة أكبر للفئات المرضية الأكثر تأثرًا، وإلى استحضار صوت المريض بوصفه محور العملية الصحية وغايتها النهائية. فالمريض ليس رقمًا في إحصائية، ولا بندًا في مشروع، ولا عنوانًا في تقرير دوري، بل هو المعيار الحقيقي الذي يمكن من خلاله قياس نجاح أي سياسة صحية أو خطة تعافٍ أو مؤتمر علمي.
وفي النهاية، فإن مستقبل القطاع الصحي في غزة لن يقاس بعدد المؤتمرات أو حجم المشاريع أو كثافة الخطط الاستراتيجية، وإنما بقدرته على ضمان وصول العلاج إلى من هم بأمس الحاجة إليه. فحين يكون المريض حاضرًا في صلب الأولويات، تصبح الخطط أكثر واقعية، وتصبح السياسات أكثر عدالة، ويصبح الحديث عن التعافي الصحي أقرب إلى الواقع منه إلى الشعارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com