رابطة أبناء الشجاعية… نموذج للترابط الاجتماعي وبناء المؤسسات فوق الركام.. بقلم: شريف الهركلي

في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب مع النزوح والانقسام، تبرز من حي الشجاعية تجربة اجتماعية لافتة، تحاول إعادة صياغة العلاقة الداخلية بين العائلات على أساس الشراكة والتمثيل العادل، في سياق يراكم تجربة تنظيمية تستحق التوقف عندها.
رابطة أبناء الشجاعية، وهي جسم خدماتي إنساني وإغاثي مرخص منذ عام 2020، جاءت لتكون إطاراً جامعاً للعائلات التي تعود أصولها إلى الحي، بما يتيح تنظيم الشأن الداخلي وتمثيل المجتمع المحلي أمام الجهات الرسمية ومؤسسات العمل الأهلي.
وقد استندت الرابطة في بناء نظامها الانتخابي إلى بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، شملت تعداد العائلات وأحجامها السكانية، حيث قُدّر عدد سكان الشجاعية بنحو 182 ألف نسمة موزعين على ما يقارب 250 عائلة. وبناءً على ذلك، جرى اعتماد نظام تمثيلي يقوم على معيار تقريبي يقارب مقعداً واحداً لكل 500 نسمة، مع مراعاة خصوصية العائلات الصغيرة عبر آليات تدرج في التمثيل تمنع الإقصاء وتفتح المجال أمام أوسع مشاركة ممكنة.
ويُتوقع أن تشارك نحو 180 عائلة في العملية الانتخابية، التي ستفضي إلى تشكيل جمعية عمومية تنتخب بدورها مجلس إدارة مكوّن من 13 مقعداً، إلى جانب انتخاب رئيس مباشر للرابطة، على أن تُوزع بقية المواقع وفق صيغة توازن اجتماعي بين مكونات الحي.
كما حرصت الرابطة على إسناد العملية الانتخابية بإشراف قانوني مستقل، في خطوة تعكس رغبة واضحة في ضبط المسار الانتخابي وفق معايير مهنية ترفع مستوى الثقة وتحد من أي إشكاليات محتملة.
وتشير المعطيات إلى مشاركة واسعة من العائلات، حيث تم تقديم مئات المرشحين عبر كتب رسمية، في مشهد يعكس حضوراً مجتمعياً فاعلاً رغم الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان قطاع غزة.
وفي هذا السياق، تؤكد الرابطة أن مشروعها لا يحمل أي طابع سياسي، بل يقوم على فكرة تنظيم المجتمع من الداخل، وتحويل العائلة من إطار اجتماعي تقليدي إلى وحدة مشاركة في القرار المحلي، بما يعيد صياغة العلاقة بين الناس ومؤسساتهم.
وفي الوقت ذاته، تبرز هذه التجربة حاجة وطنية أوسع إلى إعادة ترميم الشرخ الاجتماعي الذي خلفته سنوات الانقسام والحرب، إذ إن إعادة بناء المجتمع تبدأ من الأسرة والعائلة، باعتبار أن صلاح العائلات يشكل الأساس الأول لصلاح المجتمع الفلسطيني بأكمله.
ورغم بعض الأصوات التي حاولت التشكيك في جدوى هذه التجربة أو آثارها على وحدة العائلات، فإن نماذج سابقة في أكثر من منطقة فلسطينية أثبتت أن المشاركة المنظمة تعزز وحدة المجتمع بدل أن تضعفها، وتدفع باتجاه إدارة أكثر كفاءة للشأن المحلي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي قام به مؤسس الرابطة، الدكتور إبراهيم حبيب، الذي أسهم في بلورة هذا المشروع الاجتماعي، وسهر على صياغة فكرة الترابط العائلي في الشجاعية، بما يعزز خدمة الناس بعيداً عن الحسابات الشخصية الضيقة.
وتسعى الرابطة من خلال هذه التجربة إلى تقديم نموذج قابل للتعميم في البيئة الفلسطينية، يقوم على منطق الشراكة بدل التنازع، والتكامل بدل التنافر، في إطار رؤية اجتماعية تسعى إلى بناء الداخل الفلسطيني على أسس أكثر صلابة.
كما تدعو إلى تعزيز دور المختار ورجال الإصلاح والقامات الاجتماعية ضمن أطر تشاورية فاعلة، إلى جانب تشجيع تشكيل مجالس تنظيمية داخل كل عائلة، بما يسهل عملية التواصل ويعزز الانسجام الداخلي بين المكونات المختلفة.
إنها تجربة تؤكد أن المجتمع الفلسطيني، رغم الجراح الثقيلة، ما زال قادراً على إنتاج نماذج تنظيمية حية، تعيد الاعتبار للإنسان، وتفتح أفقاً لبناء اجتماعي أكثر تماسكاً واستقراراً في المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com