الانقسام الفلسطيني 2007م الكارثة الفلسطينية.. بقلم/ إحسان بدرة

1948م النكبة . 1967م النكسة
2007م الكارثة
2023 حدث بثلاث أوجه . نكبة .نكسة . كارثة
في الرابع عشر من حزيران/يونيو 2007 دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من تاريخها حيث لم تكن تلك المرحلة مجرد خلاف سياسي بين ” حركتي “حماس” وفتح” بل تحولت إلى انقسام عميق لا تزال آثاره تضرب المجتمع الفلسطيني حتى الآن ؟؟ !!
في ذلك اليوم الأسود سيطرت حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة منتهكة كل الاعراف والثوابت وحرمة الدم الفلسطيني ومنهية عمليا وحدة النظام السياسي الفلسطيني.. يقوم على وجود نظامين وقراراين سياسيين مختلفين ورؤيتين متعارضتين لإدارة القضية الفلسطينية ؟؟!! وشكل الحكم والتعامل مع الجماهير
وبسبب ذلك الانقلاب والانقسام وبعد تسعة عشر سنة تبدو آثاره حاضرة في كل تفاصيل الحياة الفلسطينية من السياسة والاقتصاد آلى التعليم والصحة والمجتمع ومستقبل الأجيال الجديدة .
♤ الجذور الفكرية والتنظيمية للأزمة
هنا لابد للرجوع خطوة للخلف أصل الحكاية حيث يرى العديد من الباحثين المحليين. السياسيين ان الأزمة الفلسطينية لم تبدأ مع المواجهات المسلحة عام 2007م بل تعود آلى طبيعة المشروع الفكري والتنظيمي لحركة حماس نفسها
فحركة حماس تأسست على انها فرع من فروع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين بالتالي تأثرت بأفكارها وآلياتها التنظيمية وهذا جعل القرار السياسي في كثير من المراحل مرتبط بالمؤسسات التنظيمية الخاصة بالحركة إكثر من ارتباطه بالمؤسسات الوطنية الفلسطينية الجامعة من جهة نظر هؤلاء المنتقدين، جعل القضية الفلسطينية لم تكن دائماً الأولوية الوحيدة في حسابات حماس بل كانت جزءاً من مشروع أوسع ذي أبعاد أيديولوجية وتنظيمية تتجاوز حدود فلسطين.
♡ الانتخابات والمواجهة المسلحة..
عام 2006م فازت حماس في الانتخابات التشريعة الفلسطينية وكان لهذه التغيير أن يشكل تجربة ديمقراطية مهمة في تاريخ الفلسطينيين ولكن الخلافات مع السلطة الفلسطينية حول الصلاحيات والأجهزة الأمنية وإدارة الحكم تصاعدت بسرعة بسبب ولاءات حماس الخارجية حيث أنه وخلال أشهر قليلة تحولت الساحة الفلسطينية لساحة اشتباكات متكررة أنتهت بسيطرة حماس على قطاع غزة في حزيران 2007م ومنذ ذلك اليوم انقسم الوطن الفلسطيني سياسياً وإدارياً ومؤسسياً.
♤ تغليب مصلحة الحزب على المؤسسات الوطنية .
بعد سيطرة حماس على غزة بقوة الدم وتحت شعار الحسم العسكري أصبح الاهتمام الأكبر للاطر التنظيمية الخاصة بها على المؤسسات الوطنية الرسمية وتنفيذ لذلك أصبحت القرارات الكبرى تناقش داخل مجالس الشورى الدوائر التنظيمية التابعة لحماس وبالتالي تراجع دور المؤسسات الوطنية الرسمية .
وأدى ذلك إلى شعور متزايد لدى كثيرا من القطاعات الفلسطينية بأن القرار الوطني لم يعد ملكا لجميع الفلسطينيين وأصبح محصورة في دائرة تنظيمية ضيقة دائرة حماس.
♤ التمكين الحزبي .
لكي تترجم حماس كل أفكارها وشعاراتها وسيطرتها على قطاع غزة استخدمت سياسية خطيرة على المشهد في غزة حيث كان من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال سنوات حكم حماس اتهامات التمكين الحزبي…حيث جرى تعيين أعداد كبيرة من المحسوبين على حماس في مؤسسات القطاع المختلفة وهذا النهج أضعف مبدأ تكافؤ الفرص في التوظيف وشغل المناصب الحكومية الرسمية وبذلك ترسيخ الولاء الحزبي على حسابات الكفاءة لدرجة ان عمليات التوظيف تمت بتزكية من أمير الأسرة التنظيمية أو أمير المسجد التابع لحماس وهذا بطبيعة الحال ساهم في تعميق الإنقسام داخل المجتمع الفلسطيني وادي أيضا إلى شعور كثيرا من الكفاءات والشباب المستقلين بالتهميش والآقصاء.
♤ المال والسلطة .
إدارة الأموال والتبرعات التي جمعتها حماس باسم الشعب الفلسطينيى من الشعوب العربية والإسلامية قد أثارت جدلا واسعا على مدار السنوات الماضية التي هيمنت بها حماس على القطاع وتلك الاموا ل التي جمعت باسم الشعب والقضية الفلسطينية كانت لا بد أن تخضع لرقابة وطنية ومؤسسات حكومية شفافة.
و كانت تصريحات قادة حماس سببا في زيادة الجدل التزمر من الأوساط الفلسطينية في المجتمع حول العلاقة ببن المال التنظيمي والمصلحة الوطنية العامة حيث تم جمع ملايين الدولارات باسم فلسطين من بداية الانتفاضة الثانية وحتى الآن عام 2026م كلها ذهبت مباشرة إلى حركة حماس هذا خلاف عن المنحة القطرية التي كانت تدخل رسميا إلى حماس بترخيص من أمريكا وموافقة أسرائيل.
تلك السياسة والنهج الذي اتبعتها حماس في قطاع غزة منذ انقلابها وسيطرة بالقوة على القطاع أدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني .
♤ تمزيق النسيج الاجتماعي الفلسطيني
فبعد عام 2007 انتشرت حالة من الاستقطاب الحاد بين الفلسطينيين. حيث انقسمت العائلات وتضررت العلاقات الاجتماعية و تراجعت الثقة بين شرائح المجتمع الفلسطيني في القطاع وظهرت لغة التحريض والتخوين والتكفير الاقصاء بصورة غير مسبوقة.
لدرجة أصبح الانتماء السياسي في كثير من الأحيان سببا للخلاف والتمييز وحتى القطيعة الاجتماعية .
وبذلك خسر الفلسطينيون جزءا مهما من وحدتهم المجتمعية والتي شكلت لعقود إحد أهم عناصر القوة الوطنية..
♤ الانقسام وأثره على الشباب.
لقد كان الشباب من أكبر ضحايا الانقسام
فالطفل الذي كان عمره عشر سنوات عام 2007م اليوم أصبح اليوم شاب في أواخر العشرينيات من عمره دون أن يعيش يوما واحدا في ظل نظام سياسي فلسطيني موحد … نتيجة هذا الانقسام واستمراره
نشأ جيل كامل لم يشهد انتخابات منظمة ولمويعرف تداويلا طبيعيا للسلطة ولم يلمس وجود مؤسسات وطنية موحدة وهذا ولقد واجه هذا الجيل معدلات بطالة مرتفعة وفرص محدودة للسفر والعمل والتعليم.
وبالتالي أصبح كثيرا من الشباب يشعرون بأن مستقبلهم رهينة لصراعات سياسيةولا يملكون القدرة على التأثير فيها .
♤ آثار الانقسام على الاقتصاد
لقد ساهم الانقسام بشكل كبير في اضعاف الاقتصاد الفلسطيني حيث أدى وجود سلطتين منفصلين إلى تعقيد الإدارة الاقتصادية وتراجع الاستثمارات وضعف التخطيط التنموي . وكثرة الحروب والانقسام السياسي في انهيار العديد من القطاعات الإنتاجية.
حيث تحولت شرائح واسعة من المجتمع إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية بدلا من الاعتماد على فرص العمل والانتاج.
♤ وأيضا لا ننسى في هذا المقام تأثير الانقسام على التعليم والمؤسسات
حيث تضررت المؤسسات التعليمية والأكادمية بشكل كبير ف تراجعت فرص التطوير والتخطيط الاستراتيجي وكما أثرت الأزمات الاقتصادية والحروب والانقسام السياسي على جودة العملية التعليمية
وكذلك تعرضت المؤسسات العامة بدورهاولحالة من الضعف والانقسام والتسييس.
♤ الصدام مع المحيط العربي
ارتباط حماس الفكري والتنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين أدي إلى خلق توترات مع عدد من الدول العربية وفي مراحل مختلفة انعكس ذلك على علاقات غزة الخارجية وعلى. الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل القطاع دفع المواطن الفلسطيني ثمن هذه الصراعات والاستقطابات الإقليمية.
♤ نتائج الانقسام ..
من أخطر نتائج الانقسام احتكار قرار الحرب والسلم
حيث أنه من المفترض أن تكون القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب خاضعة للمؤسسات الوطنية ولكن هذا القرار أصبح عمليا بيد جهة واحدة .
وهذا الواقع ساهم في إدخال القطاع في سلسلة من المواجهات العسكرية دون وجود توافق وطني شامل حول أهدافها ونتائجها المحتملة .
♤ غزة من الانقسام إلى الكارثة
منذ عام 2007م دخل القطاع في سلسلة من الحروب والازمات المتواصلة والتي كانت مع كل جولة عسكرية تتزايد أعداد الضحايا وتتوسع فيها رقعة الدمار وتتراجع فرص الحياة .
هذا وبدلا من بناء نموذجا سياسيا واقتصاديا قادرا على التحدي والصمود أصبح القطاع غارقا في حصار وانقساما وحروب متكررة ومواصلة. بالتالي مع مرور الزمن تحولت الأزمة من أزمة سياسية إلى أزمة وجودية ومستدامة تمس حياة كل مواطن في قطاع غزة
♤ حرب 2023 والدمار غير المسبوق
بلغت تداعيات سياسة الانقسام والاستفراد بالقرار ذروتها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. ونتيجة هذا غزة دفعت ثمنا هائلا بسبب احتكار القرار السياسي والعسكري وعدم وجود نظام وطني جامع يشارك في اتخاذ القرارات المصيرية
وهذا يثير كثيرا من الأسئلة والتي مازالت مطروحة
حول طبيعة القرار الذي اتخذ، وحول ارتباط القرار  بالاستخبارية الإسرائيلية، التي كانت بعلم مسبق بهذا الهجوم وتم تجاهله عمدا .
كما ظهرت تحليلات متعددة حول ما إذا كانت بعض الدوائر الإسرائيلية قد استغلت الأحداث للحصول على مبررات لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد غزة.

كلمة أخيرة
تسعة عشر عاما من الحصار والانقسام والنتيجة واضحة. وطن منقسم ومؤسسات ضعيفة ونسبج اجتماعي متضرر وشباب فقد الثقة بالمستقبل واقتصاد منهك وقطاع غزة مساحة جغرافية تعرض لواحدة من أكبر الكوارث في تاريخه الحديث.
فالانقسام أثبت أن التفرد بالسلطة والسلاح والقرار الوطني لا يمكن أن يبني دولة ولا يمكن له أن يحقق مشروعا وطنيا ناجحا. ووجود حماس في المشهد الفلسطيني ذريعة للاحتلال لاستمرار الحصار والانقسام ومواصلة حرب الابادة .
ورغم هذا الواقع تبقي فلسطين والقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل وأن حماية الوطن تتطلب شاركة حقيقية ومؤسسات تمثل جميع الفلسطينيين وتخضع للنساءلة والإرادة الشعبية حتى لا تتكرر المأساة والتي بدأت في الرابع عشر من حزيران/ يونيو2007
ويبقى الدرس الأهم أن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأن حماية الوطن تتطلب شراكة وطنية حقيقية ومؤسسات تمثل جميع الفلسطينيين وتخضع للمساءلة والإرادة الشعبية، حتى لا تتكرر المأساة التي بدأت في الرابع عشر من حزيران/يونيو 2007 وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

صحفي وناشط سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com