التهجير الفلسطيني… عندما تتبدل المصطلحات وتغيب العدالة الدولية.. بقلم: شريف الهركلي

في كل مرحلة من مراحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتبدل المصطلحات، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: شعب فلسطيني يواجه محاولات مستمرة للمساس بحقه في البقاء على أرضه. فمرة يُقدَّم الأمر تحت عنوان “النزوح المؤقت”، ومرة تحت مسمى “إعادة التوطين”، وأخرى تحت ذرائع “الممرات الإنسانية” أو “المناطق الآمنة”. تتغير الكلمات، لكن النتيجة واحدة؛ تغيير الواقع الديمغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض.
هذه الظاهرة تطرح أسئلة سياسية وأخلاقية وقانونية عميقة: أين الموقف العربي من هذا التلاعب بالمصطلحات؟ وأين الموقف الغربي الذي يرفع رايات حقوق الإنسان والديمقراطية؟ وهل يمكن للكلمات الجديدة أن تمنح الشرعية لما يرفضه القانون الدولي والضمير الإنساني؟
لقد نصت اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني بوضوح على حماية المدنيين ومنع التهجير القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال، كما أكدت قرارات الأمم المتحدة حق الشعوب في العيش بحرية وأمان على أرضها. ومع ذلك، يبدو أن كثيرًا من هذه النصوص يفقد فاعليته عندما تصطدم العدالة بمصالح القوى الكبرى وحساباتها السياسية.
إن القضية الفلسطينية لم تعد تواجه تحديات ميدانية فحسب، بل أصبحت تواجه أيضًا معركة مصطلحات وروايات. فحين يُستبدل مصطلح “التهجير” بمفردات أكثر نعومة، يُراد للعالم أن ينظر إلى المأساة بعين مختلفة، وأن يتعامل مع نتائجها بوصفها أمرًا واقعًا لا انتهاكًا يستوجب المحاسبة. وهنا تكمن خطورة اللغة السياسية عندما تتحول إلى أداة لتخفيف وقع الجريمة أو إعادة تسويقها أمام الرأي العام الدولي.
أما على المستوى العربي، فإن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من دائرة الإدانات التقليدية إلى دائرة التأثير الحقيقي، عبر تحرك سياسي وإعلامي ودبلوماسي أكثر فاعلية. فالقضية الفلسطينية ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل قضية تمس جوهر الأمن والاستقرار في المنطقة، وتمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي بأكمله.
وفي المقابل، يواجه الغرب سؤالًا أخلاقيًا لا يمكن تجاهله: كيف يمكن التوفيق بين الخطاب الداعي إلى حماية حقوق الإنسان وبين الصمت أو التردد أمام معاناة شعب يعيش تحت الاحتلال؟ إن ازدواجية المعايير لا تضر بالفلسطينيين وحدهم، بل تضعف الثقة العالمية بالمؤسسات الدولية والقيم التي تقوم عليها.
إن مواجهة سياسات التهجير بمختلف مسمياتها لا تتحقق بالاستنكار وحده، بل تحتاج إلى استراتيجية إعلامية متكاملة تكثف حضور الرواية الفلسطينية في وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي ومراكز الدراسات وصناعة القرار. فكل مصطلح يُستخدم لتجميل التهجير يجب أن يقابله خطاب قانوني وإنساني يفضح حقيقته، وكل محاولة لإعادة صياغة الواقع يجب أن تواجه بالوثائق والحقائق والشهادات الحية.
لقد أصبحت معركة الوعي والرواية جزءًا أساسيًا من الصراع. فالصورة والكلمة والتقرير الصحفي والوثيقة القانونية لم تعد أدوات مساندة، بل تحولت إلى عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام العالمي وصناعة المواقف السياسية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حملة إعلامية عربية ودولية واسعة ومنظمة، هدفها كشف مخاطر التهجير بمختلف مسمياته، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.
إن تغيير المصطلحات لا يغير الحقائق، وتبديل الأسماء لا يمحو المعاناة، كما أن العدالة لا تُقاس ببلاغة الخطاب السياسي بل بقدرتها على حماية الإنسان وحقوقه. لقد آن الأوان للانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن الشكوى إلى التأثير، ومن الدفاع عن الرواية الفلسطينية إلى فرض حضورها في المشهد العالمي. فحين يتكثف الضغط الإعلامي والسياسي والقانوني، تصبح الحقيقة أكثر قدرة على الوصول إلى العالم، ويصبح من الصعب إخفاء التهجير خلف ستار المصطلحات المتغيرة.
فالتاريخ لا يتذكر المصطلحات بقدر ما يتذكر المواقف، ولا يحاكم الكلمات بقدر ما يحاكم الأفعال.
كاتب ومحلل سياسي


