بيان عشائر الخليل… بين استعادة السلم الأهلي وترسيخ سيادة القانون

قراءة سياسية واستراتيجية وقانونية في مسؤولية السلطة الفلسطينية ودور العشائر
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
يشكل البيان الصادر عن اجتماع عشائر محافظة الخليل في ديوان عائلة أبو اسنينة تطوراً لافتاً في المشهد الفلسطيني، ليس باعتباره موقفاً عشائرياً من حوادث القتل التي شهدتها المحافظة فحسب، وإنما بوصفه وثيقة مجتمعية تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية وقانونية تعكس حجم القلق من تصاعد مظاهر العنف، وتراجع هيبة القانون، وما يرافق ذلك من تهديد مباشر للسلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
فالبيان جاء في لحظة دقيقة تتزايد فيها التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجه المجتمع الفلسطيني، مؤكداً أن الحفاظ على الأمن مسؤولية جماعية، لكنه في الوقت ذاته وضع المسؤولية الأساسية على عاتق السلطة الفلسطينية باعتبارها صاحبة الولاية القانونية والدستورية في حماية المواطنين وإنفاذ القانون.
إن القراءة المتأنية لبنود البيان تكشف عن توجه واضح نحو إعادة الاعتبار لسيادة القانون، حيث رفض المجتمعون جميع مظاهر “فورة الدم” والانتقام الجماعي، سواء ثبتت مسؤولية المتهم أم لم تثبت، وهو موقف يعكس تطوراً في الفكر العشائري الفلسطيني باتجاه الحد من العقوبات الجماعية التي كانت تفرضها بعض الأعراف التقليدية، والتأكيد على أن المسؤولية الجنائية مسؤولية شخصية لا تمتد إلى الأبرياء.
كما شدد البيان على أن الأعراف والعادات العشائرية يجب أن تنسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية ومع ما يصدر عن القضاء الفلسطيني، بما يؤكد أن المرجعية النهائية في الفصل بالجرائم تبقى للقضاء، وأن الأعراف العشائرية ينبغي أن تؤدي دوراً إصلاحياً واجتماعياً يحد من التوترات ويمنع اتساع دائرة الثأر، لا أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة.
ومن أبرز الرسائل التي حملها البيان دعوته الصريحة إلى أهل المتهم بارتكاب جريمة القتل بعدم المماطلة في اتخاذ الإجراءات العشائرية، وفي مقدمتها تسليم المتهم للأجهزة الأمنية المختصة. وهذه الدعوة تمثل دعماً واضحاً لمبدأ سيادة القانون، ورسالة تؤكد أن حماية الجناة أو التستر عليهم لم تعد مقبولة مجتمعياً، وأن التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون يمثل واجباً وطنياً وأخلاقياً.
وفي المقابل، لم يعف البيان السلطة الفلسطينية من مسؤولياتها، بل حمّلها المسؤولية الكبرى في حفظ الأمن وتطبيق القانون، عندما أكد أن العبء الرئيس يقع على المحافظ والأجهزة الأمنية والقضاء الفلسطيني، وليس على رجال العشائر والمشايخ. وهذه الرسالة تعكس إدراكاً بأن دور العشائر، مهما بلغت أهميته، يبقى دوراً مكملاً لدور الدولة، ولا يمكن أن يحل محل المؤسسات الرسمية في فرض النظام العام.
ومن الناحية الاستراتيجية، يعبّر البيان عن إدراك متزايد بأن استمرار جرائم القتل وانتشار مظاهر العربدة وفرض الإتاوات يمثل خطراً يتجاوز الأبعاد الجنائية، ليصبح تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. لذلك دعا إلى رفع الغطاء العشائري عن كل من يمارس أعمال البلطجة أو يفرض “الخاوات” على المواطنين، في رسالة واضحة تؤكد أن الانتماء العائلي لا ينبغي أن يكون وسيلة للإفلات من العقاب.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه المجتمع الفلسطيني، حيث إن أي تراجع في هيبة القانون يفتح المجال أمام انتشار مراكز قوى موازية للدولة، وهو ما ينعكس سلباً على الأمن المجتمعي، ويهدد النسيج الوطني في مرحلة تتطلب أعلى درجات التماسك الداخلي.
أما من الناحية القانونية، فإن القانون الأساسي الفلسطيني منح السلطة التنفيذية، ممثلة بالأجهزة الأمنية، مسؤولية حفظ النظام العام، بينما أناط بالقضاء وحده سلطة الفصل في الجرائم وتحديد المسؤوليات وإيقاع العقوبات. وعليه، فإن أي صلح عشائري، مهما بلغت أهميته في احتواء الاحتقان الاجتماعي، لا يمكن أن يؤدي إلى إسقاط الحق العام أو تعطيل سير العدالة، لأن الجرائم تمثل اعتداءً على المجتمع بأسره، وليس على ذوي الضحية وحدهم.
ويؤكد البيان، بصورة غير مباشرة، هذا المفهوم عندما ربط الأعراف العشائرية بما يثبت أمام القضاء الفلسطيني، وهو ما يعزز التكامل بين القضاء الرسمي والإصلاح المجتمعي، ويمنع أي تعارض بينهما.
لقد لعبت العشائر الفلسطينية عبر التاريخ دوراً مهماً في الحفاظ على السلم الأهلي واحتواء النزاعات، خاصة في الظروف الاستثنائية التي عاشها الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، إلا أن تطور مفهوم الدولة وسيادة القانون يقتضي أن يبقى هذا الدور داعماً لمؤسسات العدالة، لا بديلاً عنها. فالدولة الحديثة تقوم على احتكار استخدام القوة في إطار القانون، وعلى مساواة جميع المواطنين أمام القضاء، بعيداً عن الاعتبارات العائلية أو الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية السلطة الفلسطينية اليوم لا تقتصر على ملاحقة مرتكبي الجرائم، وإنما تشمل أيضاً تعزيز هيبة القضاء، وتسريع إجراءات التقاضي، ومكافحة انتشار السلاح غير المشروع، وإنهاء مظاهر فرض الإتاوات والاعتداء على المواطنين، بما يعيد الثقة بمؤسسات الدولة ويمنع اللجوء إلى وسائل العدالة الخاصة.
كما أن دعوة البيان إلى تشكيل لجنة دائمة لمعالجة النزاعات تمثل خطوة إيجابية إذا ما جرى تنظيمها ضمن إطار مؤسسي يتكامل مع عمل المحافظ والأجهزة الأمنية والقضاء، بحيث تتحول إلى آلية للمصالحة المجتمعية ومنع تفاقم الأزمات، دون المساس باختصاصات السلطة القضائية.
إن محافظة الخليل، بما تمثله من ثقل سكاني واقتصادي واجتماعي، تحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة للأمن المجتمعي تقوم على تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني، وترسيخ ثقافة الاحتكام إلى القانون، وتجفيف منابع الجريمة، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في تفاقم العنف.
وفي المحصلة، فإن بيان عشائر محافظة الخليل يمثل رسالة وطنية مسؤولة تؤكد أن السلم الأهلي مسؤولية الجميع، لكنه يضع المسؤولية الأولى على الدولة ومؤسساتها. كما يعكس إدراكاً متقدماً بأن العشائر، بما تمتلكه من مكانة اجتماعية، يمكن أن تكون شريكاً في حماية الاستقرار، شريطة أن يبقى القانون هو المرجعية العليا، وأن تظل العدالة الرسمية هي الفيصل في محاسبة الجناة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من السلطة الفلسطينية استثمار هذه المبادرة المجتمعية لتعزيز سيادة القانون، وبناء شراكة حقيقية مع مكونات المجتمع، بما يحفظ الأمن، ويصون الحقوق، ويعزز الثقة بالدولة ومؤسساتها، ويكرس نموذجاً وطنياً يقوم على التوازن بين احترام الموروث الاجتماعي وترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون.



